-العلمانية الجزئية: هي رؤية جزئية للواقع لا تتعامل مع الأبعاد الكلية والمعرفية، من ثم لا تتسم بالشمول، وتذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة. وهو ما يعبر عنه بعبارة:"فصل الدين عن الدولة"، ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت حيال المجالات الأخرى من الحياة.
-العلمانية الشاملة: رؤية شاملة للواقع تحاول بكل صراحة تحييد علاقة الدين والقيم المطلقة والغيبيات بكل مجالات الحياة، ويتفرع عن هذه الرؤية نظريات ترتكز على البعد المادي للكون وان المعرفة المادية المصدر الوحيد للأخلاق وان الإنسان يغلب عليه الطابع المادي لا الروحي.
هذا التقسيم الذي تبناه المسيري [1] شديد البيان يحاول من خلاله إيهام القارئ، أن لا تعارض بين الإسلام والعلمانية الجزئية؛ لأنه حتى لو كانت العلمانية الجزئية في فصل الدين عن الدولة فهي تعني العمل على الانتقاص من شمولية الدين، بل تهدف إلى تبعيضه، وهو الأمر الذي يتناقض مع قوله تعالى:"افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى اشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون"البقرة:85.
وفي السياق نفسه؛ وبالرجوع إلى أغلب القواميس؛ نجد:"العلمانية"ترجمة غير دقيقة، بل غير صحيحة لكلمة"Secularism"في الإنجليزية، أو"Secularity"أو"Laicite"بالفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بلفظ"العلم"ومشتقاته، على الإطلاق. فالعلم في الإنجليزية والفرنسية، يعبر عنه بكلمة"Science"، والمذهب العلمي، نطلق عليه كلمة"Scientism"، والنسبة إلى العلم هي"Scientific"أو"Scientifique"في الفرنسية. ثم إن زيادة الألف والنون، غير قياسية في اللغة العربية، أي في الاسم المنسوب، وإنما جاءت سماعا مثل"رباني"نسبة إلى"رب"، ثم كثرت في كلام المتأخرين، كقولهم:"روحاني، نفساني، ونوراني .."، واستعملها المحدثون في عبارات، مثل:"عقلاني"و"شخصاني"، ومثلها"علماني".والترجمة الصحيحة للكلمة هي"اللادينية"أو"الدنيوية"، لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص، وهو ما لا صلة له بالدين أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد. وإنما ترجمت الكلمة الأجنبية بهذا اللفظ"العلمانية"، لأن الذين تولوا الترجمة، لم يفهموا من كلمتي"الدين"و"العلم"إلا ما يفهمه الغربي المسيحي منها. والدين والعلم في مفهوم الإنسان الغربي، متضادان متعارضان، فما يكون دينيا لا يكون علميا، وما يكون علميا لا يكون دينيا، فالعلم والعقل، يقعان في مقابل الدين، والعلمانية والعقلانية، في الصف المضاد للدين. وتتضح الترجمة الصحيحة من التعريف، الذي تورده المعاجم، ودوائر المعارف الأجنبية للكلمة: تقول دائرة المعارف
(1) - دعوة المفكر عبد الوهاب المسيري إلى العلمانية الجزئية أوقعته في فخ خطير و خلط كبير؛ إذ دفعت بمنظم مقدم برنامج الاتجاه المعاكس الدكتور فيصل القاسم - الذي استضاف فيه المسيري مع أحد العلمانيين المتطرفين - إلى وضعه وإياه في كفة واحدة! أظن أنكما على رأي واحد!