فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 163

و ما يؤكد، أيضا، زيف هذا الادعاء انخراط فرنسا في مسلسل استعماري ضم شمال ايطاليا سنة 1795، احتلال مصر سنة 1798، الجزائرسنة 1830 والمغرب سنة 1912 .. وما شنته بلد الحرية-زعموا- على الحجاب .. !!!

-الحداثة الانجلوسكسونية: وتعود بداية نشأتها إلى فترة قريبة من السالفة. ورغم تشابهها مع الحداثة اللاتينية في ضمان الحقوق (حقوق الطبقات البورجوازية وذوي النفوذ، ولم تمدد إلا لاحقا بعض الحقوق للمواطنين العاديين والرعايا الانجليز) ، وتتماهى معها في التسابق على الأسواق واستعمار العالم، فهي لم تؤمن باللائكية ولم تجعلها ركيزتها الأساس. ومع أنها اعتمدت فلسفة عصر الأنوار [1] .

إذا انطلقت حركة الحداثة في انجلترا (الحركة الانجليكانية) عندما وقف البابا"شارل الخامس"موقفا منحازا في الصراع الدائر بين اسبانيا وانجلترا، فعزز هذا الموقف نفوذ اسبانيا داخل أوربا وضايق الأطماع الانجليزية في التوسع الاقتصادي والترابي في أوربا والعالم الجديد. كما شكلت رغبة ملك انجلترا"هنري الثامن"في الاستيلاء على ممتلكات الكنيسة دافعا مهما نحو الإصلاح الكنسي. من هنا احتفظ لنفسه بالعقيدة و بتراتبية رجال الدين وبالطقوس الكاثوليكية وعد عمله هذا انشقاقا عن الكنيسة الكاثوليكية.

ومن هنا نستخلص أن انجلترا في البداية لم تتخل عن دينها بل اعتبرته احد الركائز الأساسية في نهضتها وتقدمها ..

وحاليا يكشف أن الدول التي تمسكت بقاطرة التقدم متمسكة بالآن نفسه بدينها معتزة به حتى الثمالة مثل اليابان وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، والبلد الإسلامي الصاعد، ماليزيا التي بدأت تنميتها مع مهاتير محمد [2] .. لهذا لا نستغرب؛ إذ قال هيلار بيلوك: (إن أوربا ستعود إلى الإيمان أو تتلاشى) !!! وقبله قال أرنولد توينبي: (إن مستقبل الإنسانية يتوقف على أخوة روحية لا يمنحها إلا غير الدين، وهو الشيء الذي يحتاج إليه النوع الإنساني في هذا الوقت، الشيوعية تزعم أنها تستطيع أن توحد النوع البشري، وقد فشلت، كما أن

(1) - د. رجاء ناجي مكاوي، ص 46.

(2) - مهاتير محمد؛ يسميه البعض بحكيم الحكام؛ تولى رئاسة ماليزيا عام 1981 م، حيث وصلت ماليزيا في عهده درجة من التقدم والنمو لم تصل إليها دولة إسلامية حتى اقترب نصيب الفرد الماليزي من الدخل القومي إلى 10 آلاف دولار سنويا. و مهاتير رئيس لا يرى في الإسلام مجرد ممارسة الشعائر الدينية التعبدية بل منظومة متكاملة تصلح لجميع شؤون الحياة، وهو الطبيب الإنسان الذي تحول إلى أفضل خبراء الاقتصاد، وهو الحاكم الذي تحول إلى أعظم مفكر وصاحب نظرية الطفرة الآسيوية. ومما زاد مهاتير محمد جاذبية كونه الرمز الأول للتجربة الإسلامية فيما أطلق عليه"صحوة الأمم من عدم"ضاربا بالوصفة الأمريكية، التي توصي بالتخفف من أعباء وعباءات الإسلام كشرط للتقدم، عرض الحائط.

كان كتاب"معضلة المالايو"معضلة حقيقية لمهاتير محمد، فحين كتب الكتاب عام 1970 م قامت الدنيا ولم تقعد لاتهامه شعبه بالكسل والاتكالية، داعيا إياه إلى ثورة صناعية شاملة تتيح لماليزيا الخروج من حلقة الدولة الزراعية المتخلفة. وبين منع الكتاب من قبل منظمة المالايو القومية المتحدة وبين قدرة مهاتير على التنظير والقدرة على كسب الأتباع داخل حزبه، صعد نجمه السياسي بسرعة مذهلة ليتولى رئاسة وزراء بلاده عام 1981 م ولمدة 22 عاما، مما أتاح الفرصة كاملة لأن يحول أفكاره إلى واقع، جاعلا من ماليزيا أحد أنجح الاقتصاديات في جنوب آسيا والعالم الإسلامي .. ارتفع في عهده متوسط دخل المواطن الماليزي من 1247 دولارا في العام إلى 8862 دولارا في عام 2002 م، وانخفضت البطالة إلى 3% .. (جريدة المساء المغربية، العدد 528، 30/ 05/2008، ص:8، بتصرف يسير)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت