يستطيع أن يفرض على النصوص المعاني التي يريدها؛ فالعقل يجدد النصوص على نحو دائم .. والتفكيك هنا إستراتيجية مهمتها إنكار أن أي نص له وجود ثابت ومستقر. [1]
* الإطار التاريخي للحداثة:
نظرا لتشابك مدلول الحداثة، واستعماله المفرط من اتجاهات مختلفة، أفضى إلى إدخال اللبس والغموض عليها وإلى تضارب التعريفات لدرجة فقدانها لمدلولها الأصلي، ولكن في محاولة منا الإمساك أكثر بهذا المدلول بالنواجد، حتم علينا النبش في حفريات التاريخ وما يختزنه من وسائل حجاجية في أفق ملامسة هذا الموضوع؛ وفي هذا الإطار نسبر أغوار بعض الحداثات الغربية لتباينهما:
-الحداثة اللاتينية أو القديمة: وهي التي تمخضت عن عصر الأنوار والفلسفات المادية التي تبلورت خلاله، مما استعجل الثورة الفرنسية سنة 1789، لارتكازها على نظريات فلسفية .. تلخصت مبادئها الأساسية في التمرد على الكنيسة وتسلطها واستبدادها (سياسية) لكن بما أنها لم تميز بين استبداد الكنيسة وبين المبادئ الدينية (كما هو الشأن بالنسبة للذين يحكمون على الإسلام انطلاقا من سلوكيات المسلمين) .فقد جاءت على شكل تمرد على الدين مما أفضى إلى الفصل الصارم بين الدين والدولة وصدور قانون اللائكية (العلمانية) سنة 1905.ومن سماتها أيضا (العلمانية) إقصاء كل تفسير ديني للعلم، والتعقيل المنفصل عن الابستمولوجيا؛ والفردانية .. وهي حداثة سياسية اعتبارا لكونها،، انطلاقا من النظريات الفلسفية إياها، أنتجت قيما جديدة تنتصر لحقوق وحريات الأفراد والمساواة وإشراك المواطن في تدبير الشأن العام .. كل هذه المبادئ والقيم الجديدة ظاهريا استقيت من مبادئ تراكمت عبر التاريخ الطويل للبشرية، بدءا من ديمقراطية أثينا إلى حقوق الإنسان كما اقرها القانون الروماني.
(في هذا الجانب تبنى الغلاة من الحداثيين العرب ما يسمى"بالمقايسة السطحية"على حد تعبير المفكر الإسلامي عدنان زرزور، ذلك سعيا منهم التمرد على الأحكام الشرعية للإسلام، بقولهم؛ إن أوربا تقدمت لأنها تخلت عن دينها، لهذا بذلت الإمكانات لوضع نسخة ببغاوية مطابقة في المجتمعات العربية!!!.
لكن نسي هؤلاء المغفلون أن الدين النصراني محرف والإسلام دين قويم لا تشوبه شائبة ولا تستطيع الأيادي العفنة اقتلاعه، لان الذي تولى حفظه والدفاع عنه هو الله سبحانه وتعالى ..
(1) - د. احمد إبراهيم خضر: الأساس الإلحادي للمفاهيم الغربية، مجلة البيان، السنة الحادي والعشرون، العدد 223، ربيع الاول 1427 / مارس 2006، ص 99.