وللخروج من هذا اللغط وهذا اللبس المفاهيمي، نسبح في كتاب د. محمد خضر عريف الماتع (الحداثة مناقشة هادئة لقضية ساخنة) الذي يقول:"إننا بصدد فكر هدام يتهدد أمتنا وتراثنا وعقيدتنا وعلمنا وعلومنا وقيمنا، وكل شيء في حاضرنا وماضينا ومستقبلنا .. والذي يدفع الى ذلك الظن الخاطئ هو الخلط بين مصطلح الحداثة (Modernism) ، والمعاصرة (modernity) ، والتحديث (Modernization) وجميع تلك المصطلحات كثيرا ما تترجم الى"الحداثة"على الرغم من اختلافها شكلا ومضمونا وفلسفة وممارسة. والواقع أن الاتجاه الفكري السليم يتفق مع التحديث، ولكنه لا يتفق مع الحداثة. وإن يكن مصطلحا Modenity و Modenization يمكن الجمع بينهما ليعنيا المعاصرة أو التجديد، فإن مصطلح modernism يختلف عنهما تماما. إذ ينبغي أن نفرق بين مصطلحين أجنبيين، ومن المؤسف أن كليهما يترجم ترجمة واحدة وهي (الحداثة) ."
أما المصطلح الأول فهو: modernity الذي يعني إحداث تجديد وتغيير في المفاهيم السائدة المتراكمة عبر الأجيال نتيجة وجود تغيير اجتماعي أو فكري أحدثه اختلاف الزمن.
أما الاصطلاح الثاني فهو: modernism ويعني مذهبا أدبيا، بل نظرية فكرية لا تستهدف الحركة الإبداعية وحدها، بل تدعو إلى التمرد على الواقع بكل جوانبه السياسية الاجتماعية والاقتصادية .. وهو المصطلح الذي انتقل إلى أدبنا العربي الحديث، وليس مصطلح modernity الذي يحسن أن نسميه المعاصرة، ولأنه يعني التجديد بوجه عام دون الارتباط بنظرية ترتبط بمفاهيم وفلسفات متداخلة متشابكة". [1] "
-ما بعد الحداثة أو الحداثة القيمية المعيارية: اخترعت لها مفاهيم وتعريفات مختلفة لخدمة أغراضها، وتسمى أيضا بالحداثة العصرية التي تسعى إلى التخلص من الفكر المادي الإلحادي، و إلى إحياء القيم التي يؤمن بها رائدوها (القيم المسيحية /اليهودية) ، والى بعث التقاليد وتقويمها عوض نبذها، والى الموازنة بين العلم والدين والى احترام الطبيعة .. [2] و (جاك دريدا) ابرز فلاسفة (ما بعد الحداثة) المعاصرين، وهو من أكثر الفلاسفة المعاصرين تأثيرا على الباحثين العرب، ويسمى بفيلسوف التفكيك أو التقويض.
لكن خلاصة فلسفة ما بعد الحداثة، التي قام الباحثون العرب بتطبيقها على النصوص القرآنية هي لا حدود فاصلة بين النص والتفسير) مما يعني تقويض مرجعية صاحب النص من جذورها، بمعنى أن صاحب النص لا
(1) - للتوسع في الموضوع الرجوع إلى كتاب الدكتور: محمد خضر عريف، الحداثة مناقشة هادئة لقضية ساخنة، ص:11 و 12.
(2) - د. رجاء ناجي مكاوي: نفس المرجع، ص 47.