الدين والدولة في معنى التصارع والتضاد؛ وفي الانتصار للمادية (كنقيض الروح) والعقلانية (الرافضة لكل حضور ابستمولوجي .. ) وفي كلمة نختزل نحن العرب والمسلمين الحداثة في النموذج الفرنسي (كما يمثله فلاسفة عصر الأنوار) ، وان كانت فرنسا نفسها ليست باللائكية التي يصورها بها الكثيرون، بل هي دولة كاثوليكية منتصرة لمبادئ الكنيسة ولازال للكنيسة تأثير على عدد هائل من القرارات السياسية [1] .
وإلا كيف نفسر الإعلان الصادر من جاك شيراك الرئيس الفرنسي السابق الذي عبر عن استيائه من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي باعتبار أن أوربا"نادي مسيحي"، و كيف نفسر الهجمة الشرسة على القرآن من خلال كتابات تدعو إلى قراءة معاصرة للقرآن الكريم تتماشى مع أهواء الحداثيين، اقتداء- بطبيعة الحال بالنموذج الغربي - والهجوم على شخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم باستخدام أبواق داخلية، بدعوى الحداثة .. ؟!
و في المقابل، يغرد المفكر الحداثي ذي الطابع الصوفي الدكتور طه عبد الرحمن خارج السراب بإعلانه، أن كل من نسخ الحداثة الغربية(لا يعد حداثيا حتى لو قلد الحداثة. فقد تحقق أن الحداثة لا يمكن أن تكون إلا إبداعا، وان ما من تقليد لها إلا وهو نسخ، وما من نسخ لها إلا وهو مسخ.
-الحديث: هو ترجمة لكلمة فرنسية Moderne)التي تدل على ماهو معاصر وعلى ما هو محدد تاريخيا،
وتتعارض مع ما هو قديم. ويبدو أن الكلمة تنحدر من اللغة الفرنسية القديمة. ونجد في اللاتينية موديرنوس modernus وتعني الحديث. ولكن سرعان ما استعملت الكلمة مصطلحا لتحديد الحقبة التاريخية؛ التي تمثل فترة انتقالية في أوربا من العصور الوسطى المظلمة- الذي سيطرت فيه الكنيسة على جميع دواليب الحياة المدنية والدينية- إلى عصر النهضة الأوربية ...
-التحديث: وليس التغريب؛ يقوم على إدخال ونقل العلوم العصرية والتكنولوجيا شريطة ملاءمتها للمجتمعات المنقولة إليها وحفاظها على تراثها الثقافي، وهي الحقيقة التي سعى تيار التغريب إلى طمسها والتعتيم عليها كلما وظف أدعياءه لمحاربة الفكر التحديثي واصفا إياه بالظلامية والرجعية .. !!
وتجدر الإشارة، أن التحديث -بتعبير مالك بن نبي رحمه الله للحضارة - ليست سلعة يمكن استيرادها في صناديق أو بين دفتي كتاب ونقلها من مكان إلى آخر وليست إحدى لوحات الرسم التي ننقلها من مسمار الجدار الذي علقت عليه إلى مكان آخر، أي مشروع تحديثي لا يحترم دين وثقافة الأمة مشروع آيل لا محالة إلى الفشل الذر يع مهما وظفت له من طاقات وأموال ..
(1) - د. رجاء ناجي المكاوي: من الحداثة المادية إلى الحداثة الأخلاقية: دور المسلم في ترشيد الانتقال، مجلة مدارك، العدد الأول، دجنبر 2005، ص. 47.