فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 163

ينقلها المصطلح على مستوى الحياة التي يعيشها المستعملون له أفرادًا وجماعات، كما يعكس أيضًا نوعية العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاجتماعي [1]

والواقع الذي نلمسه في لغتنا أنها لم تتحرج في الأخذ عن غيرها، والكلمات الوافدة تعرف اللغة العربية كيف تستوعبها، ولقد حاول علماؤنا منذ القديم اللجوء إلى ما هو متاح من وسائل الصرف والاشتقاق والنحت والاستعارة: وإذا أعوزتهم الحيلة عرَّبوا. أما التراث اللغوي فمن الصعوبة استسهال التصرف فيه على غرار ما فعل الأوربيون مع تراث اللغتين اليونانية واللاتينية الميتتين. فتراثنا، رغم القرون السالفة، ما يزال حيًّا في وجداننا بلفظه وبمفاهيمه، وما يتطلبه المصطلح من تخصيص وشفافية في التدليل يتعارض مع ألفاظ التراث التي ما تزال تجنح إلى التعبير وإلى الإبداع، مما يؤدي بحكم التاريخ والمجاز إلى تعدد الدلالة، وتعدد الدلالة في الألفاظ عملية غير اصطلاحية؛ لأن تحديد المفهوم فيها يرتبط بالسياق وليس بالميدان التخصصي الذي تندرج فيه، من هنا كان التعامل مع الألفاظ التراثية صعبًا، فمما يروج في صحافتنا العربية حاليًّا وبإلحاح مصطلحات مثل: إرهاب، أصولية، إسلام سياسي، إسلاموية ... إلخ، لها مفاهيم قدحية عند الغرب ونحن ننقلها أحيانًا بظلالها العنصرية دون احتراز، وهناك مصطلحات ترجمت إلى العربية على عجل وشاعت، مع أن لها مفهومًا خاصًّا في الثقافة الإسلامية [2] .

إذن مشكلة"تحديد المفاهيم"تنشأ عندما يتم نقل هذه المفاهيم من مجتمع إلى آخر يختلفان ثقافة ولغة وعقيدة ونمط حياة ومستوى حضارة؛ ذلك أن استنبات المفاهيم في بيئة حضارية مغايرة لا يؤتي نفس الثمار التي آتتها في بيئتها الأولى، وهو ما أطلق عليه الشيعي علي شريعتي"جغرافية الكلام".بل الخطير في الأمر -كما أسلفنا الذكر- أن تصبح المفاهيم الغربية معيارا قياسيا Standard تفهم به كل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية الثقافية وحتى الدينية في البيئة المسلمة. هذا ما سنراه بحول الله بخصوص جملة من المفاهيم في الفصل الثاني.

* عولمة الإعلام ونظرية التدافع المصطلحي:

ففي محاضرة ألقاها دينز فينتر عام 1991 قال فيها:"عَرِفَ هذا القرن الذي يشرف على الأفول أطول مواجهة بين الغرب [3] والإسلام، طالت أكثر من آلف سنة، امتدت من الحروب الصليبية إلى العصر الحديث."

(1) - د. عباس الصوري: الرصيد المعجمي في اللغة العربية، الرباط 1995.

(2) - الدكتور عباس محمد الصوري: مفاهيم مصطلحية في مجال الإعلام والاتصال، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة / ع 94، ص: 44، بتصرف يسير

(3) -من العسير جدًا تحديد الغرب بتعريف معين يشمله بجميع فئاته وهيئاته؛ لأنه مكون من عناصر معقدة تجعل من الصعوبة بمكان وضعه تحت العنوان الاختزالي (الغرب) فهذه مجرد تسمية لتعريف سهل يستعمل في اللغة اليومية. فالغرب ليس فقط الإعلام، أو البيت الأبيض، أو الامبريالية، أو الاستشراق، أو اللوبي الصهيوني، أو أو .. الخ؛ ولكنه أيضًا له ثقافة ذات مرجعيات معتبرة وحضارة وتاريخ .. مع الأخذ في الاعتبار أن الغرب مكون أيضًا من عدد غير محدد من الأفراد والحركات وجماعات الضغط التي لا تقع ضمن أي من تلك الدوائر. هشام العوضي: موقف الغرب من الإسلاميين (بيروت، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1997 م) ص: (6) .

ومشكلتنا إذن؛ مع المشروع الغربي الاستئصالي الذي يسعى إلى إقصاء الإسلام وتشويه معالمه الصافية؛ وذلك بدعم بعض التيارات العلمانية التي تشكل بوقا دعائيا لهم؛ فتسعى إلى تشتيت أوصال الأمة الإسلامية، دون التفكير الجدي في قضايا إعداد الإنسان المسلم إعدادا شرعيا وعلميا، وتنمية مناطق العالم الإسلامي .. !!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت