العقل. وغالبًا ما تكون بعيدة عن المحاكمات المحددة، ملتبسة بأثر العواطف والغرائز، وتكتسب -من خلال استعمالها بين شعب وشعب، وظرف وظرف- ظلالًا، ويصبح لها في مسيرها تضاريس ناتئة، وانهدامات غائرة، وتنعكس عليها آثار النفوس من حقد وحسد وضغينة وانتقام، وتصرخ من بين حروفها الأهواء والعواطف الملتوية التي تغلف التواءها بكثير من الادعاء والتطاول وحب التغلب والسيطرة.
والمصطلح باختصار هو"حبة"أو"جرعة"سحرية، يتناولها فرد أو جماعة؛ فتحول اتجاه تفكيره أو تفكيرهم من جهة إلى جهة -إن لم تفقده التفكير أصلًا-، وقد يتسلل هذا المصطلح إلى العقل العام تسللًا، كأن تطرحه جماعة أو شخص صاحب مصلحة أو هوى في شيوعه وانتشاره، فيطرح من خلال وسيلة عامة ككتاب أو إذاعة أو صحيفة أو مناهج دراسية .. فيُلْتَقَط ويُستعمل ويشيع، ولا يمضي وقت قصير حتى تضاف إليه الشروح والحواشي، وتشذب انعكاساته الضارة عن طريق تزيينه بأساليب الحكماء والمنظرين، فتمتد جذوره في أرضٍ وفِد عليها، ويبدأ يعطي ثماره: فكرًا وافدًا وثقافة هجينة [1] .
أقول أيضا أن مفعول المصطلح خطير لاعتبارات عدة: أولا أن الغرب هو الذي فبرك هذه المصطلحات وصنعها على عينه للبلبلة وإثارة الفتنة بين أبناء الأمة الواحدة، وثانيا سرعة ابتلاعها من طرف الثلة المنبهرة من العلمانيين دون فحصها وعرضها على ميزان هويتنا الإسلامية (الكتاب والسنة) .وثالثا أن هذه المصطلحات تتجاوز الإطار الشكلي إلى المضمون لمحاولة دق إسفينها في قلب الأمة الإسلامية وإشغالها بها عوض التفكير المتوازن للدفع بها نحو الأمام (الرقي والتقدم) ؛ورمي بها إلى استنساخ التجربة الغربية في مجال الثقافة المنحلة أو على حد تعبير المفكر الإسلامي عدنان زرزور- المقايسة السطحية.، فلو أخذنا النموذج الذي يردده العلمانيون باستمرار: اليابان؛ فليستمعوا إلى ما قاله المفكر الفرنسي برتراند راسل:"كانت اليابان دولة متخلفة اقتصاديا ولم تكن أبدا أنها متخلفة ثقافيا"ولله در الشاعر إذ يقول:
يا شباب الإسلام قد برحّ القيد * * * فهلا انتفضتم من رقود
مالکم والمبادئ الصفر والحمر * * * وقرآنكم منار الوجود!
ورابعا، أن هذا النوع من المصطلحات يطرح جديًّا عدة قضايا، على رأسها: نوعية العلاقة بين المعجم والمصطلح من جهة، وبين المصطلح وما يحيل إليه من مفاهيم من جهة أخرى. خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالبعد الاجتماعي والثقافي الذي يتحرك فيه هذا المصطلح. فالسياق الاجتماعي والثقافي يعكس نوعية المفاهيم التي
(1) - نحن أسرى المصطلحات الغريبة مجلة البيان، العدد (9) ، ربيع الآخر 1408، ديسمبر 1998