فالغالبية الساحقة منهم -كما ذكرت آنفا فهم مؤولة جدد - لم يدخل الإيمان قلبه، فالواجب فتح باب الحوار معهم شرط عدم التنازل عن الثوابت الشرعية علاجا للازمة الفكرية أو إعجابا بالرأي كلا! بل تفنيد الآراء التي تمس جوهر العقيدة والدين الحنيف بالحكمة والموعظة الحسنة. فلا يجوز مقاطعتهم، فهذا من ضعف المنازل .. والذين يَلْوُون ألسنتهم باستنكار نقد الباطل-كما قال الشيخ أبو بكر زيد رحمه الله- وإن كان في بعضهم صلاح وخير، ولكنّه الوهن وضعف العزائم حينا، وضعف إدراك مدارك الحق والصّواب أحيانا، بل في حقيقته من التّولي يوم الزحف عن مواقع الحراسة لدين الله والذّب عنه، وحينئذ يكون الساكت عن كلمة الحق كالنّاطق بالباطل في الإثم .. ولنا ممن تربى في مدرسة السيرة النبوية؛ روائع الإمام الشافعي - رحمه الله- ما ذكره الإمام الذهبي - رحمه الله- في سِيَرِه في ترجمة يونس بن عبد الأعلى الصَّدفي - رحمه الله- قال: ما رأيت أعقل من الشافعي! ناظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة! قلت-أي الذهبي- هذا يدل على عقل هذا الإمام وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون. وتأمل قوله: وإن لم نتفق في مسألة، أي: حتى لو لم نتفق في كل المسائل - الخلافية- فلا ينبغي أن نتدابر .. !!! [1] .. وقال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله [2] :"لقد ثبت بالتجربة والمشاهدة أن المرض إذا أهمل ولم يعالج استشرى في الجسم، و عسر علاجه بعد تمكنه من الجسم واستشرائه فيه، وكذلك المنكر إذا ترك ولم يغيّر فإنه لا يلبث أن يألفه و يفعله كبيرهم وصغيرهم، وعندئذ يصبح من غير السهل تغييره أو إزالته، و يومها يستوجب فاعلوه العقاب من الله، العقاب الذي لا يمكن أن يتخلف بحال، إذ انه جار على سنن الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتغير: (سنة الله) الأحزاب 62 (فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا) فاطر (43"
ومن الحكمة في الدعوة مراعاة جانب المصالح والمفاسد! فإذا كانت الشدة لا تؤدي في الغالب إلا إلى مفاسد؛ فالأولى استبدال الشدة والغلظة بالرفق واللين كما قال تعالى"وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. (الأنعام:108) ."فسبُّ آلهة المشركين حق وفيه غلظة وشدّة لكن إذا كان يترتب عليه مفسدة أكبر فهو محرم ممنوع شرعًا. أما استعمال القوة لردع كل مخالفات (محاربة التدين، منع الحركات التنصيرية، الكتب الهدامة المفسدة للأمة .. ) فذلك من اختصاص ولي الأمر .. !!!
بل في بعض الأحيان، كان النبي صلى الله عليه وسلّم يُعنِّف العلماء من أصحابه-وهي في الأصل باعثها الغيرة عليهم وتمتين الصف الإسلامي- إذا أخطأوا أكثر من غيرهم، وخذ على سبيل المثال قوله لمعاذ رضي الله عنه
(1) - للتوسع في الموضوع الرجوع إلى كتاب: فقه التعامل مع المخالف للدكتور عبد الله بن إبراهيم الطريقي.
(2) - أبوبكر جابر الجزائري- حفظه الله في كتابه (منهاج المسلم ص: 50 - 51 دار الفكر ط 1424 هـ