سهام الليل لا تخطي ولكن لها أمد وللأمد انقضاء
ويؤثر عن عمر - رضي الله عنه - أنه جاءته عجوز في حاجة وكانت غير مسلمة، فدعاها إلى الإسلام فأبت، وتركها عمر، ثم خشي أن يكون في قوله - وهو أمير المؤمنين - إكراه لها، فاتجه إلى ربه ضارعا معتذرا: اللهم أرشدت ولم أكره. وتلا قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [1] .
-العدل بين الناس: فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان أعدل الناس، بشهادة أعدائه، وكيف لا يعدل من خوطب بقول واضح مبين، {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (المائدة:8) .. وفي قضائه بين المتخاصمين كان عادلًا صلى الله عليه وسلم، بعيدًا عن الحيف والظلم، فعن حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته (فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل) رواه أحمد.
وكان صلى الله عليه وسلم لا يرضى تعطيل حدود الله، التي شرعها سبحانه لإقامة العدل بين الناس، ولو كان الجاني من أقربائه وأحبابه، ففي حادثة المرأة المخزومية التي سرقت لم يقبل شفاعة أسامة، وقال مقالته المشهورة: (أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) رواه البخاري ومسلم.
وبهذا الخلق العظيم، والأدب الرفيع، استطاع صلى الله عليه وسلم، أن يلفت الأنظار نحو دعوته، ويحرك المشاعر والأحاسيس إلى مبادئه العظيمة، ويرسم منهاجًا فريدًا لخير أمة أخرجت للناس، فالأولى أن تبنى هذا الخلق الرفيع لمحاولة قطع الطريق على المتشدقين والمتفيهقين .. وكم سررت عندما ذكر رئيس تركيا أردوغان في حواره مع قناة الجزيرة أن استطاع أن يوفر تقريبا 40 مليار دولار بمحاربته الفساد؛ فذلك ولاشك أهم عامل يضيق أنفاس العلمانيين أصحاب الفساد .. كما حققوا مكاسب عديدة بنهجهم لخلق العدل!
-حكمة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: لقد عرف المشركون من قريش أن القرآن حق، ولكن أكثرهم لم يؤمن تكبرا وعنادا وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحاول أن يقنعهم بالحكمة والموعظة الحسنة ولكن كانوا يخافون على مركزهم الاجتماعي أو المالي أو غير ذلك.
فمنهم من كاد يؤمن ولكنه تذكر أن له مركزا اجتماعيا خاف عليه ومنهم من خاف على أمواله، لكن الإسلام وبحمد الله انتشر وازدهر بفضل الأشخاص الذين حملوه وأوصلوه لجميع الناس.
(1) - سورة البقرة: 265.