وحديثا يتدافعون، والفوز لمن يحسن ويجيد العملية ويحشد لها طاقاته وطاقات الأمة، ويحسن قواعد اللعبة، منها إنشاء تحالفات وتجنب الدخول في صراعات لا تكافؤ فيها، ومع قوى أكبر منه ومن طاقات أمته، فمن جهل أصول اللعبة ومن تكاسل أو اشتغل بالسفاسف والأمور الصغيرة وترك معالي الأمور والقضايا الجسيمة، ومن اختار الظلم على العدل فهذا ليس مؤهلا للنجاح في التدافع لا في غيره.
خلق الله للحروب رجالاورجالا لقصعة وثريد!
وفي حال الأمة فهناك رجال لديهم الخبرة والحنكة السياسية، هناك من يحسن قيادة الجيوش، الحرب الضرب، فإذا عكسنا الأمر فولينا السياسي قيادة الجيش والعسكري سياسة الأمة، قد لا نفلح في السياسة ولا في غيرها ..
لقد سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قيادة الجيش لأمثال خالد بن الوليد رضي الله عنه، ولما جاءه أبو ذر رضي الله عنه يطلب منه ولاية قال له: إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة .. بل قال له إنك امرؤ ضعيف، وأبو ذر من هو في إخلاصه وقوة إيمانه، ولكنه قد لا ينفع في الإدارة، لعدم معرفته لها و بها، وليس ذلك بعيب [1] ..
ومن عجيبِ الأمرِ! أن الأعداءَ من الغرب؛ اجتمعوا اليوم -رغم الخلافاتِ والصراعاتِ الحادة الكثيرةِ فيما بينهم- على أساس القاسم المشترك، وهو محاربةُ المسلمين والمنع من توسيع دائرة اشتغالهم (إغلاق المؤسسات الخيرية، تضييق الخناق على العلماء والدعاة .. ) ، ومعاداةُ الله ورسوله، ومُحَادَّةُ الكتاب الذي أُنْزِلَ معه، فَتَدَاعَوْا على المسلمين تَدَاعِيَ الأكَلَةِ إلى قصعتها.
ولكن الدولة العلمانية، أخطر السموم التي تمزق الأمة وتشتت أوصالها، والتي أتت بكل الموبقات الكبرى، تعمل بكل الوسائل لتبقى دول العالم الإسلامي مفككة ضعيفة يسهل لأعداء الله أن يتلاعبوا بها ويتحكموا في سياستها ولا يكون ذلك إلا ببقائها دولا منهوكة تعيش على الأحلام الوردية وسراب المشاريع النهضوية العلمانية المتغربة والمستلبة. وكم جرّت هذه النظرة العمياء من الأزمات الهائلة على الأمة وواقعها المعاصر لم يستفد منها إلا أعداء الله من الصليبين والصهيونيين و الملاحدة. فبدل أن تدفع الأمة إلى امتلاك ناصية العلم والتطور والتقدم؛ تشغلها في متاهات بيزنطية [2] !!!
إن حالة الانبهار بالآخر؛ الذي تعيش فيه الدولة العلمانية في العالم الإسلامي له أسبابه الكثيرة ولكن ما يهمنا
(1) - د. نعمان السامرائي: تفسير التاريخ: اتجاهات و مدارس، الرياض-1427 هـ، ص: 164
(2) - مصطلح منبثق من الصراع الجدلي الذي كان بين النصارى البيزنطيين حول عيسى عليه السلام حول هل هو ناسوتي أم لاهوتي في وقت تدك فيها الإمبراطورية البيزنطية من قبل العثمانيين. نفس الشيء ينطبق على حرص العلمانيين على تشكيك المسلمين في ثوابتهم الشرعية وإشغالهم في أمور حسم الشرع فيها!!!