هنا هو إبراز السبب الأكثر أهمية؛ الذي زرع جرحا غائرا في قلب الأمة الإسلامية ردحا طويلا من الزمن وما يزال. إنها داء القومية [1] الذي سرى في كثير من دول العالم الإسلامي. تلك الفكرة المسمومة التي تدعو إلى أن تكون اللغة والتاريخ، وليس العقيدة، هما أساس نهضة الدولة والمجتمع. والقيادات العلمانية ظنت أن هذا هو الطريق لإيقاظ المجتمع من غفلته وتحريك طاقاته لمواجهة أعداء الأمة الإسلامية. لقد كان غياب العقيدة عن قلوب هؤلاء أولا، ثم الجهل ثانيا، هو الذي دفعهم إلى مثل هذه الأفكار المضللة التي فتكت بالأمة ودمرت قواها. لقد نظرت القيادات العلمانية من سياسيين ومفكرين إلى تاريخ أوروبا فوجدت أن القومية هي التي قادت أوروبا إلى النجاح وإلى الانتصارات. ولذلك لما لا ترفع الراية ذاتها في الأمة العربية والإسلامية؛ لتكون هي وسيلة النهوض وعامل التقدم. لكن شتان بين البيئتين! ومن أروع ما قرأت ما ناقشه المستشرق الفرنسي"مارسيل بوازار"عن فكرة"الأمة الإسلامية"ومغايرتها المفهوم الغربي، فيقول:
"ليس لفكرة الأمة الإسلامية مقابل في فكر الغرب ولا في تجربته التاريخية. فالجماعة الإسلامية، وهى تجّمع من المؤمنين يؤلف بينهم رباط سياسي وديني في آن واحد، ويتمحورون حول كلام الله القدسي .. و الفرد يندمج في الإسلام بالجماعة المؤمنة بالتساوي عن طريق شهادته، الفردية واستبطان إرادته وصفاته الخاصة كمؤمن، فالنية المعلنة والجهر بالكلام شرطان من شروط الانتماء إلى المجتمع. وبصورة تلازمية يحدد الامتثال لمشيئة الله البنية الاجتماعية. وهكذا تكون النظم التأسيسية للجماعة مشروطة بالعبادة الواجبة عليها نحو الله" [2] .
(1) - القومية: ترتكز على الجنس والعنصر ولا تبالي بالمبادئ ولا بالعقائد، أشبه ما تكون بدعوى الجاهلية من التعصب للقبيلة ويكفي لفساد هذه الدعوة أنها كانت ولا تزال السبب في تمزيق الأمم التي تظهر فيها وأول خطر منها على العالم ضياع الدولة العثمانية إذ عمل اليهود على إثارة الأتراك ضد العرب وحرضوهم على اختصاص تركيا بالأتراك، فكانت ثورة (أتاتورك) وضياع الخلافة العثمانية وتمزيق العالم الإسلامي إلى دويلات.
(2) مارسيل بوزار: إنسانية الإسلامية، ص 182 - 183.