فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 163

الكريمة أن"أكثر الناس لا يعلمون"، ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيوية دخولًا أوليًا، فقد نفى عنهم جل وعلا اسم العلم بمعناه الصحيح الكامل-وهو الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الدنيوية التي تعود بالنفع العام على الأمة-، لأنهم لا يعلمون شيئًا عمن خلقهم، فأبرزهم من العدم إلى الوجود ..

سؤال يطرح نفسه بشدة: هل يمكن لدول العالم الإسلامي أن تحقق النجاح الاقتصادي و التآلف الاجتماعي والاستقرار السياسي بدون وحدة بين دولها؟

فقراءة متأنية لكل من لفظي «التنازع» و «الفشل» نستشف تلازمهما في كتاب الله تعالى وأن الأول يفضي إلى الثاني!: فالأول منهما قد تكرر ذكره في سبعة مواضع في القرآن الكريم، فيما ورد لفظ الفشل في أربعة مواضع. وجاء الربط بين اللفظين في ثلاثة مواضع: الأول في سورة آل عمران وبعد غزوة أحد (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:152) ، والثاني في غزوة بدر في سورة الأنفال (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (سورة الأنفال: 43) . ثم في قوله تعالى في السورة ذاتها: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (سورة الأنفال:46) . فالقرآن الكريم يقصد بالتنازع المنهي عنه شرعا الشقاق الذي يؤدي بوحدة الأمة إلى الضياع والافتراق، وهو التنازع الذي يوغر الصدور ويثير الشحناء والتباغض ويفضي إلى التشتت والخلاف والافتراق، أما الاختلاف الاجتهادي -هي مساحة حرة تركها الشارع سبحانه وتعالى للخلق- في إطار الوحدة والانسجام مع مبادئ الفطرة البشرية، فهو مما لا يتعارض مع نصوص القرآن الكريم، فضلًا عن أن ينهى عنه، ولنلحظ أن القرآن الكريم عندما حضّ على الاعتصام بحبل الله ووحدة الأمة (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (سورة آل عمران:103) ، فالقرآن ما كان لينهى عن الاختلاف المنضبط (المحمود) وهو الداعي أساسًا لإعمال العقل وإجالة النظر فيه. وفي ذلك يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله-:"ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف؛ فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصل واحدًا والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافًا لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة؛ فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله، والقصد واحد وهو"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت