الحركات الكبرى التي هزَّت الشرق الأوسط في آخر قرن ونصف كانت الحركات الإسلامية وحدها أصيلة في تمثيلها لمطامح أهل هذه المنطقة، فالليبرالية والفاشية والوطنية والقومية والشيوعية والاشتراكية كلها أوربية الأصل، مهما أقلمها وعدّلها أتباعها في الشرق الأوسط. والمنظمات الإسلامية هي الوحيدة التي تنبع من تراب المنطقة، وتعبر عن مشاعر الكتل الجماهيرية المسحوقة. وبالرغم من أن كل الحركات الإسلامية قد هزمت حتى الآن غير أنها لم تقل بعد كلمتها الأخيرة" [1] ."
يقول الخبير الأمريكي في الشؤون الإسلامية والشرق الأوسط الدكتور"جون اسبوسيتو":"إن الصحوة الإسلامية أو الأصولية الإسلامية حقيقة تعيش معنا وسوف تستمر بقوة في صياغتها لسياسة الشرق الأوسط في المستقبل القريب" [2] .
*الأصولية .. سياقها التاريخي:
-هناك من يرى أن هذا ولد المصطلح في الأصل في أمريكا، ويقصد به: ديانة نصرانية كهنوتية، ترفض كل مظهر من مظاهر الحياة، وتراه خروجًا على الدين، فمصطلح"الأصولية"في بيئته الأصلية: فرقة من البروتستنت، تؤمن بالعصمة الحرفية لكل كلمة في"الكتاب المقدس"ويدعي أفرادها التلقي المباشر عن الله، ويعادون العقل، والتفكير العلمي، ويميلون إلى استخدام القوة، والعنف لفرض هذه المعتقدات الفاسدة.
-و هناك من يرى أن جذورها تعود إلى فترة سيطرة الكنيسة الكاثوليكية واحتكارها للمعرفة والحقيقة ورفضها للآخر إلى حد إلغائه أو حتى قتله (غاليلي مثلا) ، وليست جرائم الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش والقتل بدعوى الهرطقة إلا أمثلة على ذلك!
-لكن الطرف الثالث يرى أن الأصولية أقرب ما تكون بفكرة العدمية التي تروج لها الأصولية الصهيونية المسحية، الذين يؤمنون ويبشّرون بفكرة"هَرْمَجِدّون"، وهي فكرةٌ مؤسسة على نص لا مثيل له، يرِدُ مرة واحدة في إنجيل"يوحنا"، تلميذ السيد المسيح. وبناءً على تفسير هؤلاء فإن النص المذكور هو نبوءة تؤكد أن حربًا نووية ستقع على أرض فلسطين، في سهل مجدّو جنوب شرق حيفا، وأن هذه الحرب النووية ستحرق مئات الملايين من الأغيار من جنود المسلمين وغيرهم، وستكون انتصارًا للمسيح العائد الذي سينقذ من بقي من يهود ومسيحيين متجدّدين، ويقيم مملكةً على الأرض فيعمّ السلام ألف عام. يتضح من هذا أن معتقدات الكنائس المسيحية الصهيونية مؤسسة على هلوسات متطرفة ..
(1) - برنارد لويس: الغرب والشرق الأوسط، ص 179
(2) الإسلام والكونجرس د. أحمد إبراهيم خضر ص 17.