الصفحة 22 من 169

والروحيون يذهبون هذا المذهب نفسه من طريق آخر؛ فهم يبرِّرون الجريمة بإرجاعها إلى ما يسمونه (المس الروحي) والمجرم في الحالين مكرَه على الجريمة، يرتكبها تحت عامل داخلي عند الفرويديين، أو تحت عامل خارجي عند الروحيين، وكل منهما يهدم التقنين الخلقي من أساسه؛ لأنه يمحو المسؤولية الفردية التي هي مَناط الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة.

ومن الواضح أنه يمحو في الوقت نفسه الشرائع السماوية كلها، بل القوانين الوضعية أيضًا، فهو عَوْد إلى الجبرية الضالة المفسدة للدين وللدنيا جميعًا.

وبمثل ما يفسد الروحيون على الناس دنياهم يفسدون عليهم دينهم بما يزعمونه لهم من أن الجنة والنار فكرة عقلية أو حالة نفسية، وأن الناس على اختلاف نِحَلهم وطبائعهم يعيشون فيما وراء الموت حياة هي نفسها حياتهم على الأرض، وأن فرصة التكفير عن الذنوب لا تنقطع بموتهم، وهم بذلك يهدمون أكبر رادع للناس عن الظلم والإفساد، وهم في الوقت نفسه يزجُّون بأنفسهم فيما اختصَّ الله ذاته - سبحانه وتعالى - بعلمه.

قال (بطرس شبلي) مطران بيروت مستنكرًا أعمال الماسونية وتمثيلها في بيروت رواية اليهودي التائه:"لم يكن أحد منا يظن أن المناداة بالحرية ستجرُّنا إلى هذه المنكرات، ولا أن الحياة الجديدة التي وعدت بها البلاد بعد إعلان الدستور ستنصرف قواها إلى الشر، فيقل أنصار الآداب السليمة، ولا يبقى للمبادئ الشريفة كرامة وحرمة، قدم إلينا من عهد قريب أناس حملوا في صدورهم الفساد سلعة للاتِّجار، ونقلوا إلى بلادنا التي ما فتئت تحافظ على الآداب العمومية وشعائر الدين جراثيم الخلاعة، وهي شرٌّ من جراثيم الأوبئة، واستخفُّوا بنا واحتقرونا إلى حدِّ أن جعلوا شرف عيالنا وعفاف شبابنا ومعتقداتنا واسطة لكسب الدراهم."

ونحن في ابتداء عصر جديد، ودولتنا العزيزة في مستهل دور الترقي، ولذلك يحتاج الوطن إلى ناشئة سليمة من الأمراض المعنوية، نشيطة على عمل الخير لا تغضُّ الطرف عن معاكسة إبداء مظاهر الخلاعة والفساد الذي من شأنه أن يضعف العزائم، ويوهن القوى، ويجعل الشعب فريسة الشهوات وعرضة للذل والاستبداد، وهذا ما تبتغيه حكومة دستورية حرة يهمها - قبل كل شيء - إعلاء شأن وطنها، وما يجرح العواطف المسيحية خصوصًا هو أن تُعرض المذاهب المعروفة معرفة رسمية من الحكومة الجليلة للاحتقار، ويظهر على المراسم رجال مرتدون بأثواب رجال الدين ولا يمنعون من ذلك، وأن نجعل بعض الطقوس الدينية الواجبة لها الكرامة موضوعًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت