الصفحة 131 من 169

خليط من العرب والأنباط والزنج المستعبدين، فأسس (حمدان) دارًا سماها دار الهجرة يجتمع فيها أتباعه ويؤدُّون بعض الضرائب، منها ضريبة زكاة الفطر تجبى للإمام المحجوب، وضريبة الهجرة لتأمين حاجات الدار، وضريبة الخمس للاشتراك في عشاء المحبة؛ أي: في أكل خبز الفردوس، ولقد انتهى الأمر بأتباع (حمدان) إلى أن جعلوا كلَّ ما يملكون مشاعًا بين الجميع ولم يعد أحد يملك إلا سيفه وسلاحه.

ولما رأى (حمدان) الإقبال على جمعيته قويًّا نظمها تنظيمًا دقيقًا، وراح يبثُّ الدعاة في الخارج؛ فأوفد (ذكروية الدنداني) إلى العراق و (أبا سعيد الجنابي) إلى جنوبي العجم والبحرين، ولم يكن (حمدان) و (ذكرويه) و (أبو سعيد) سوى المنفذِّين لأوامر دعاة أعلى منهم مرتبة - هكذا يقولون - ولم يكونوا ليعرفوا بأسمائهم بل بألقاب مستعارة؛ كـ (صاحب الظهور) و (صاحب الناقة) و (صاحب الخال) ، وقد أنشؤوا الخلايا السرية في أنحاء متعددة من بلاد الخلافة الإسلامية، وأوقدوا ثورات كثيرة أهمها ثورة (ذكرويه) في صحراء سوريا عام (288 هـ- 900 م) وثورة خراسان عام (290 هـ- 902 م) لكن الخليفة العباسي كان قويًّا فأخمدها كلها بالعنف، وهمدت الحركة في العراق بعد موت (ذكرويه) عام (294 هـ- 906 م) .

أما في الأحساء والبحرين حيث كان (صاحب الناقة) قد أرسل (أبا سعيد الجنابي) فصادفت الحركة نجاحًا قويًّا، ولم يحلَّ عام (288 هـ- 900 م) حتى كان (أبو سعيد) قد استولى على تلك البلاد وجعل منها جمهورية شيوعية وراح يهدد البصرة وبغداد.

وبعد موت (أبي سعيد) خلفه ابنه (أبو طاهر سليمان) ، وأخذ يزحف تارة على البصرة وبغداد، وطورًا على الحجاز والحرمين، ويهدد طرق الحج حتى عمَّ الذعر جميع أطراف الخلافة، وفي عام (318 هـ- 930 م) دخل (أبو طاهر) مكة المكرمة وأخذ يقتل أهاليها ومن فيها من الحجاج من رجال ونساء وهم متعلقون بالكعبة، وردم بهم بئر زمزم، وفرش بهم المسجد وقتل في سكك مكة وشعابها من المغاربة وأهل خراسان وغيرهم زهاء ثلاثين ألفًا وسبى من النساء والصبيان مثل ذلك، ونهب جميع ما في مكة والمدينة من حلي وجواهر وكنوز، كما نهب الحجر الأسود الذي ظل عشرين سنة بعيدًا عن الكعبة، ولم يرجع إليها إلا بأمر من المنصور الخليفة الفاطمي، ويتحدث تاريخ الفلسفة العربية عن العلاقة المتينة التي تربط القرامطة بالمذهب الاجتماعي (لمزدك) و (بابك) وكان هذا المذهب قائمًا على شيوعية الملك.

وذكر بعض المؤرخين عن حالة (القرامطة) في الأحساء: أن كل شيء كان عندهم شائعًا إلا السيوف، ولم يكتفِ (القرامطة) بشيوعية اقتصادية أو اجتماعية بل جعلوها أيضًا شيوعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت