الصفحة 130 من 169

أصولها إلى أغوار الماضي البعيد، إلى القرن الخامس قبل الميلاد، حيث كان لها مجال البحث والمناقشة على عهد (أفلاطون) الذي نجد في جمهوريته لمحة عن المُثُل الاشتراكية الخيالية، كما أن السير (توماس مور) قد عالجها في أوائل القرن السادس عشر، وكذلك كان لها مثل هذه الجذور قبل الإسلام في بلاد فارس؛ حيث ظهر مزدك عام 487 م في مدينة (نيسابور) فنشر تعاليمه الاشتراكية وكان يقول: إن الناس وُلِدوا سواء فليعيشوا على قدم المساواة، وكان يقول: أهم ما تجب فيه المساواة المال والنساء.

ويقول (الشهرستاني) عن (مزدك) أنه كان ينهى عن المباغضة والاختلاف والقتال، ولما كان مردُّ ذلك إلى النساء والأموال فقد أحلَّ النساء وأباح الأموال، وجعل الناس يشتركون في أموالهم ونسائهم اشتراكهم في الماء والهواء.

وفي"تاريخ الطبري"وصف للحركة المزدكية يتلخص بما يلي: قال (مزدك) وأصحابه: إن الله جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالمساواة، ولكن الناس تظالموا فيها.

وزعموا أنهم يأخذوا للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلِّين، وأن مَن كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأَوْلى به من غيره، ولقد ارتضى السفلة ذلك واغتنموه - هذا ما يقوله الطبري - وكاتفوا (مزدك) وأشياعه وشايعوهم، فابتُلِي الناس بهم وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره، فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله، وكان ما أمر به (مزدك) الناس وزيَّنه لهم وحثَّهم عليه التأسي في أموالهم وأهلهم.

وذكر أن ذلك من السير الذي يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب، وأنه لو لم يكن الذي أمرهم به وحثهم عليه من الدين، لكان مكرُمة في الفعال"."

وقد لوحظ أن لهذه التعاليم خصوصًا ما له علاقة بالمساواة في الأموال صبغة اشتراكية ظاهرة، وقد اعتنق مذهب (مزدك) آلاف من الناس، وكان (قباذ) كسرى الفرس قد أيَّده أول الأمر ثم انصرف عنه وقتله هو وأصحابه سنة 523 ميلادية.

وحين ظهرت الفِرَق الإسلامية الباطنية في القرن الثالث الهجري ظهرت هذه النزعة الاشتراكية عند معظم هذه الفِرَق، وكانت أبرز ما تكون عند القرامطة، وهم فرع من فروع الإسماعيلية اقتصرت حركتهم على العرب والأنباط من سكان العراق وسوريا والجزيرة العربية، وامتازت بنزعتها الاشتراكية التي زعموا أنها تحقيق للعدل والمساواة بين الناس.

ويعتقد المؤرخون أن حركة القرامطة حركة ثورية اشتراكية قادها (حمدان قرمط) في ضواحي واسط بين الكوفة والبصرة، وهي منطقة خصبة للدعاوى الثورية؛ لأن سكانها يتألفون من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت