الصفحة 93 من 117

قطعًا، حيث أمر الله سبحانه وتعالى بالهجرة إلى دار الإسلام وليس العكس؛ فالهجرة"من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة" [1] .

ثالثًا: إن الإسلام جعل الرعوية حق للمسلم المهاجر، وواجب على الدولة؛ فلا يجوز للدولة منعه من حقه أصلًا. وهذا يؤكد أن مفهوم الرعوية في النظام السياسي الإسلامي يناقض جعل الرعوية حقًا للدولة، ومن أعمال السيادة كما هو الحال في الفكر الغربي، فالدولة تقوم فقط بتنظيم الوسائل الإجرائية المتعلقة بالرعوية ولا تتحكم في منحها أو سلبها.

رابعًا: إن سحب الرعوية أو إسقاطها يناقض"البيعة الدائمة"في الإسلام، فقد جعل الإسلام البيعة للإمام بيعة دائمة، وحرم النكوص والرجوع فيها، وسحب الرعوية أو إسقاطها فيه خرق لدائمية البيعة. وقدجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - قوله:"من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له" [2] ، مما يدل على دائمية البيعة ويجعل حمل الرعوية حقًا للمرء المسلم.

وقد جاء عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن أعرابيًا بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام، فأصابه وعك فقال:"أقلني بيعتي فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: المدينة كالكير: تنفي خبثها، وتنصع طيبها" [3] . ورفض الرسول - صلى الله عليه وسلم - إقالة البيعة دليل واضح على أن البيعة دائمة وأنه لا يجوز للدولة إسقاط الرعوية ابتداء، أي فسخ البيعة مطلقًا.

كما يدل الحديث، كذلك، على عدم جواز منع من أراد الخروج من الدولة، وذلك لأن للمرء أن يقيم حيث شاء، مع بقاء الأصل وهو وجوب الهجرة إلى دار الإسلام، وربط سريان الأحكام والحصول على حق الرعوية، بإقامة المرء في دار الإسلام.

ومما يدل على ربط سريان الأحكام بالإقامة الدائمة في الدولة الإسلامية، ما أشار إليه الفقهاء، من أن المسلم إذا ارتد وترك الدولة قبل أن تقدر عليه، تسقط كافة حقوقه، ويقسم ميراثه على ورثته من المسلمين:

(1) المرجع السابق، الجزء الثالث عشر، ص 8.

(2) المرجع السابق، الجزء الثاني عشر، ص 240.

(3) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، المجلد الثالث عشر، ص 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت