أولًا: إن الشرع الإسلامي حين وضع قاعدة شرعية ثابتة لاختيار الإمام، وهي البيعة الشرعية، كان يهدف إلى تأكيد سلطان الأمة وإبراز حقها في اختيار من يلي أمرها برضاها، وترك الوسائل والأساليب للأمة، لتختار منها ما تراه محققًا لرضاها عمن يلي أمرها، فلم يأت نص شرعي يوجب على الأمة - كما ذكر الاعتراض السابق - تخصيص فئة تتولى البيعة الشرعية، ثم تلزم بها بقية الأمة. ولم ترد النصوص، كذلك بتحديد ما اصطلح على تسميتهم أهل الحل والعقد، فضلا عن حصر حق البيعة فيهم.
وقد انتهى الفقهاء من استقراء الواقع السياسي للأمة التي كان يمثلها جيل الصحابة رضوان الله عليهم إلى القول بوجود صفوة سياسية سموها"أهل الحل والعقد"، أو أهل الاختيار، ومن ثم فوجود مفهوم أهل الحل والعقد أو عدم وجوده ليس من الحكم الشرعي، وإسناد أمر اختيار الإمام إليهم من عدمه ليس من الحكم الشرعي كذلك، وذلك لأن الأمة هي التي لها الحق الشرعي في اختيار الإمام، فإن هي بإرادتها فوضت غيرها بالقيام بهذا الأمر، فلا يقال هذا حكم الشرع في المسألة، بل هو رأي الأمة بأن هذا الأسلوب محقق لرضاها ومعبر عن إرادتها، ولذلك فلها أن تغير هذا الأسلوب، وتتبنى أسلوبًا آخر مكانه.
ثانيًا: إن القول بأن اختيار الإمام بالانتخاب هو الديمقراطية والديمقراطية نظام غير شرعي، ومن ثم فإن تبني الانتخابات يعد تبنيًا لنظام غير شرعي، هو خطأ في فهم الحكم الشرعي في المسألة، فالديمقراطية نظام قائم على"سيادة الشعب"أي حق الشعب في وضع القوانين المنظمة للحياة، وليس هو النظام الذي يختار فيه الشعب حاكمه بالانتخاب. ولكن نظرًا لأن الأنظمة الاستبدادية والتسلطية تفرض نفسها على الناس بالقوة، وفي الأنظمة الديمقراطية يختار الشعب الحاكم فقد تم الربط بين الانتخاب والديمقراطية، على الرغم من أن الأنظمة الديمقراطية لا تأخذ كلها بقاعدة الاقتراع المباشر لاختيار رئيس الدولة، حيث أن بعضها تنتخبه عن طريق البرلمان، أو عن طريق الجمعية، أو عن طريق هيئة انتخابية مختارة وهكذا [1] ، وبناء عليه، فالانتخاب ما هو إلا وسيلة للتعبير عن رضا الجماهير عن الحاكم الذي يلي أمر الناس.
أما ما يقال عن فساد الانتخابات وما يصاحبها من غش وخداع ورشوة من أجل كسب الأصوات [2] ، فذلك لا يجعل نظام الانتخاب نظام فاسد، بل هو دليل على فساد الممارسات السياسية في بعض
(1) راجع محمد رأفت عثمان، مرجع سابق، ص 231.
(2) المرجع السابق، ص 230.