فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 95

-وقد ظهر تأثير هذه الفلسفة الطبيعية - وكذلك رد فعل الفلسفة الاجتماعية على كتابات التاريخ في كتابات المدرسة العقلانية للمؤرخين في القرن الثامن عشر؛ وأهم ما جاءت به هذه المدرسة هو اتجاهها العام نحو توسيع التاريخ، بحيث يتعدى نطاق الكنيسة والدولة ويشمل تاريخ المجتمع والتجارة والصناعة والحضارة في أوسع معانيها [1] .

-ولم تنج فلسفة التاريخ من التوظيف، فهي مثل منهج البحث التاريخي تعرضت منذ نشأتها للتوجيه الفكري والقومي والعقائدي، فالمؤرخون المسيحيون -بدءا من (إيزيبوس) حتى (بوسويه) - كانت لهم فلسفة تاريخية قائمة على المسيحية، وكان (فيكو) يمثل المرحلة الرومانسية في كثير من النواحي، ولا سيما فكرته عن التغيرات التي تطرأ على الروح الاجتماعية، وفكرته عن يد الله في صنع أحداث التاريخ، وكان يرى أن التقدم يتم على شكل دائري حلزوني، وقد قسم مراحل التطور التاريخي إلى ثلاث مراحل رئيسة وهي: الإلهية والبطولية والإنسانية [2] .

أما المدرسة الألمانية وعلى رأسها (هرد، وعمانويل كانط، وفيخته) ، فقد ظهر واضحا إيمانها بالعنصر الألماني، وبالواقعية التي يمتاز بها هذا العنصر، وبالحصيلة الديناميكية للدوافع الشخصية، ونتاج العمل والتزاوج بين الظروف الخارجية والروح الداخلية، وقد قال (فيخته) بصراحة في كتابه (رسائل إلى الأمة الألمانية) (سنة 1807 م) : {إن الأمل في المستقبل معقود على الشعوب الألمانية، فهذه الشعوب مكونة من عنصر نقي، غير مختلط، له معين لا ينضب من الحياة الروحية ومن القوة} [3] .

ولئن كانت هناك روابط مشركة باعتبار عوامل التأثير والتأثر بين البلاد الأوروبية ذات التفاعل الحضاري المتقارب، إلا أن التوظيف القومي والوطني والمذهبي كان واضحا في كل هذه المدارس، وحتى عندما جاءت الفلسفة المادية الماركسية، فإنها قامت بتوظيف التاريخ وفلسفته للفكرة الإيديولوجية المسبقة، وأرغمت الحقائق التاريخية على أن تكون في خدمة الطبقة العاملة والصراع الطبقي، وسيادة طبقة البروليتاريا، وسقوط الرأسمالية أمام معاول الشيوعية، كما وظفته لخدمة الحرب على كل الأديان، وإعلاء راية الإلحاد، ثم جاء أونولد توينبي ليقدم تفسيرا أكثر (تفاؤلية) و (لاهوتية) ؛ يواجه به التفسير المادي، فكان تاريخه سلاحا في يد الكتلة الغربية الليبرالية واجهت به في أشد ساعات المحنة انتشار الفلسفة المادية الماركسية، التي خضع لها ذات يوم مئات الملايين من البشر.

أما (أزوالد شينجلر) الذي يظنه البعض أكثر حيادا بالنسبة لآرائه في فلسفة التاريخ؛ حيث أعلن (اضمحلال الغرب، وسقوط الحضارة الغربية) ، وأظهر تشاؤمه من المستقبل، وذكر أن الحضارة تمر بدورة حلزونية رباعية؛ هي الربيع والصيف والخريف والشتاء، وأكد أن الحضارة الأوروبية تمر الآن بشتائها القاسي!!

-ومع ذلك كان (شبنجلر) أوروبيا مخلصا في الحقيقة، لكن إخلاصه -وهو يوظف فلسفة التاريخ لحضارته- كان مثل توينبي ... إنه إخلاص الطبيب الصادق للمريض في مرحلة لا تحتمل الحلول العاطفية!!

(1) المرجع السابق 1/ 210 - 212 بتصرف.

(2) المرجع السابق/ ص 266، 267، 268، بتصرف.

(3) المكان السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت