فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 95

كانت الأمة الإسلامية -جماعة وحكومة- شيئًا واحدًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، والراشدين ... وكانت النسبة بالتالي مختلطة، فالحكومة هي الأمة، والأمة هي الأمة، والأمة مندمجة في الحكومة، ويسعى بذمتهم أدناهم.

وجاء بنو أمية فقدموا خيرًا كثيرًا للإسلام والمسلمين، ووسعوا دولة الإسلام بفتوحاتهم العظمى ... ولكن بعض خلفائهم غلبوا (الدولة) و (أساليبها) و (مصالحها) على حساب المجتمع و (الأمة) ، ونتج من جراء تقوية (الدولة) على حساب (الأمة) في بعض الممارسات والأخطاء أن تحرك في دولتهم الصراع العنصري بين القبائل العربية؛ ليضربوا المضرية باليمنية، ثم اليمنية بالمضرية، وتسلط على الأمة مجموعة من الجبابرة، مثل الحجاج بن يوسف، وزياد بن أبيه، وآل المهلب، وضعفت العدالة في توزيع المال العام.

ومهما كانت الأعذار التي تلتمس لهم فقد وقعوا في أخطاء آذت الضمير الإسلامي، وجعلت وجدان الأمة يكاد ينفصل عن الدولة.

وهذه الممارسات وغيرها لم تقعد الأمة عن تحمل عبء الرسالة الإلهية والفاعلية الحضارية، وساعد على تقوية هذا الاتجاه أن التنظيم الاجتماعي للأمة الإسلامية كان لا يدع للحكومة مجالًا كبيرًا في حياة الجماعة، فكل ما نسميه نحن اليوم بالمرافق والخدمات كان من مسؤوليات جمهور الناس دون الحكومة ... [1] .

وجاءت الدولة العباسية فمشت على خطى الأمويين؛ بل إنها فقدت بعض مؤهلات بني أمية، كما فقدت بعض الأراضي الإسلامية التي كانت تحت بني أمية أيضًا، وظهرت دول مستقلة عنها مثل: بني رستم والأدارسة وبني مدرار في المغرب، وبني أمية في الأندلس ... وبالتالي ازدادت الأمة ابتعادًا عنها واعتمادًا على نفسها، حتى في ميادين الجهاد التي تقاعست فيها الدولة إلا فيما يمس سيادتها المباشرة، وتألقت جماعات (المطوعة) والمرابطين على الثغور، والمحتسبين بجهادهم ... وبقي أمر الدولة محصورًا فيما يثبت قواعدها، وفي الحماية الخارجية لأرض الإسلام التي تقع تحت أيديها، وقد تعلم الناس كيف يديرون أمورهم ويحلون مشاكلهم دون الحاجة إلى عون من حكومة، خصوصًا عندما ساءت الأحوال وتدهورت خلال العصر العباسي الثاني؛ ففي العراق، ومصر، والشام -مثلًا- تحول الحكم خلال القرن الرابع الهجري وما بعده إلى أداة، وظيفتها الرئيسة جباية المال لسد حاجات رجال الدولة وجندهم [2] .

وقد تطورت الأمور فاتجهت الظروف السياسية إلى تسليط عناصر محترفة من الجند على الحكم كالخراسانيين الإيرانيين، ثم الأتراك، ثم المماليك ...

(1) د. حسين مؤنس: عالم الإسلام، ص: 209.

(2) المرجع السابق: ص 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت