فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 95

الشريعة الإسلامية ومكانتها

في تاريخ المجتمع الإسلامي

يظن بعض السطحيين أن تطبيق القيم الإسلامية قديما أو حديثا؛ يرتبط بدولة أو مجتمع أو شعب ملائكي ... فكأن تطبيق الشريعة في رأسهم مفتاح سحري يلغي الجانب البشري، ويقضي على النوازع المادية والغرائزية .. !!

إن هذا قد يجوز بالنسبة إلى قلة ذات فطرة واستعداد معينين؛ لكن المجموع البشري يعيش الصراع الداخلي بين الخير والشر، ويرتفع ويهبط، ثم يتوب ويرتفع، ويخلط العمل الصالح بغير الصالح.

بيد أن هناك ضمانتين استحق بهما المجتمع الإسلامي، وهذا التاريخ الإسلامي أن يكونا تاريخا ومجتمعا إسلاميا، وهاتان الضمانتان ترتفعان بهذا المجتمع عن مستوى أي مجتمع بشري آخر.

الأولى: أن هذا المجتمع مرتبط بأصلين ثابتين لا يمكن تحريفهما عن موضعهما بتأثير سلطة فوقية عقدية (بابوية) ، أو سلطة عسكرية أو سياسية حاكمة ... فالقرآن والسنة فوق عبث العابثين وجبروت المتجبرين ... وهذه هي الضمانة الأولى التي انبثق عنها - في مجال التطبيق والفكر معا - أن أصبح محمد (عليه الصلاة والسلام) - صاحب السنة القولية والفعلية - هو الإمام النموذج لهذا التاريخ وحضارته الإسلامية. على المسلمين ـ إن كانوا مسلمين حقا ـ أن يعيدوا عبر كل مراحل التاريخ تقويم حياتهم الفكرية والأخلاقية والإنسانية؛ لتقترب من نموذج هذا النبي (القدوة العملية والقرآن المتحرك الحي) ... وقد عاش سيدنا محمد (عليه الصلاة والسلام) كل أطوار الواقع البشري ... فسالم وحارب، وتزوج وأنجب، وعاشر الأغنياء والفقراء، والخدم والعبيد والنساء، ومرض وعوفي، وباع واشترى، وعامل الصغار والكبار، ودخل الأسواق ...

وبإيجاز قدم شخصية واضحة كل الوضوح تجمع بين البشرية والنبوة، تهتدي البشرية بالنبوة؛ ولكن تبقى النبوة في دائرة العصمة، التي لا يطالب الناس بها، وتصبح البشرية المهتدية بالنبوة مجالا للاقتداء والسباق بين الناس ...

أما الضمانة الثانية لهذا المجتمع الإسلامي: فهي الرأي العام - رأي جمهور الأمة - الذي يبقى - في ضوء فطرته التي امتزجت بالشريعة - داعيا للمعروف، ومنكرا للمنكر، مهما كان السلوك مغلوطا ... ومهما كان ضغط بعض الحكام وبعض الأوضاع وبعض دعاة الإفساد؛ فالمجتمع المسلم يبقى منكرا للزنا، وللخمر، وللربا، وللاستغلال، والشذوذ الجنسي، ولم يسمح قط - في عرفه أو إجماعه ـ بإباحة شيء مما أباحته بعض الحضارات، وآخرها الحضارة الغربية؛ التي تبيح اللواط، والزنا، والربا، والخمور، والتفرقة العنصرية، واستنزاف ثروات الشعوب، والكذب على أنبياء الله، واستئجار عقول بعض المزيفين من أبناء الحضارة المغلوبة، وذلك لتشويه حضارتهم، والتجني عليهم!!

لقد كان هذا الرأي العام المسلم (ضمانة طبيعية) تعصم المسلمين من التفرق الفكري والعقدي والتشريعي، ومن الضلال الأخلاقي - بصفة عامة - مهما استبد الجهل بالمسلمين، وكان من نتيجة هذا الرأي العام المسلم أن المسلمين الأوائل لم يقلدوا كل داعية -كما تفعل المجتمعات الغربية- وإنما اختاروا -بوعيهم الإيماني- من بين آلاف الدعاة ومئات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت