فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 95

المجتهدين عددا محصورا أولوهم الثقة، وانتظموا وراءهم، ونظموا أنفسهم، ولم يسمحوا ـ في الإفتاء ـ بمجال للفوضى [1] .

وفي ظل الثوابت والإجماع والحس الإسلامي العام، انطلقت الأمة الإسلامية في رحلة صناعة تاريخها وحضارتها، تواجه كل عصر بما يحتاج إليه تحدياته، وتزودها الثوابت بالأسلحة، ويحكم حركتها الرأي العام، وكانت تفرق دائما بين مجالي النص والرأي، والشريعة والفقه، وما يقبل الاجتهاد وما لا يقبله ... ومعلوم أن التطبيق إنما يأتي تلبية للواقع العملي، ولما كانت الحالات الاجتماعية لا تتكرر أبدا في التاريخ؛ إنما تتشابه مجرد تشابه، فإن أي حكم تطبيقي في حالة مضت، وليس من شرع الله ولا من عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إنما يصلح للاسترشاد به في الحالات المشابهة، التي تعرض للأجيال المتجددة، ولكنه لا يبلغ حد الإلزام المطلق؛ لأنه مجرد رأي بشري في شريعة الله، وليس جزءا من الشريعة الثابتة الصادرة من الله [2] .

فهكذا كان الميزان ثابتا ... وحول هذا الميزان نشأ في كل عصر مجتهدون، وأئمة عرفنا بعضهم؛ لكن أكثرهم لا يعرفهم إلا أهل الاختصاص ...

أما على مستوى ارتباط التاريخ الإسلامي -بصفة عامة- بشريعته؛ فإن هذا الارتباط هو الذي صنع نسيج العلاقات الاجتماعية في شتى المستويات والتعبيرات، دون أن يعني ذلك جمودا عندا أشكال معينة؛ بل إن تنوع المجتمعات، وتغير العصور الذي هو الترجمة الصحيحة لصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان ... هذا التنوع قد مكن المسلمين - في ظل الثوابت والرأي العام بحسه الإسلامي - من أن يبدعوا أنماطا حضارية مختلفة الشكل والتعبير؛ لكنها ذات روح واحدة، وإن الصور التاريخية للمجتمع الإسلامي لا تحدد ولا تستوعب كل الصور الممكنة للمجتمع الإسلامي، فلكل جيل أن يبدع نظمه الاجتماعية في حدود المبادئ الإسلامية، وأن يلبي حاجات زمانه باجتهادات فقهية قائمة على الأصول الكلية للشريعة، على شرط اتباع مناهج صحيحة في الاجتهاد، والاتفاق بين جمهور فقهاء الأمة الإسلامية في كل جيل؛ بحيث لا تدع الأمر فوضى لكل من شاء كيف شاء [3] .

لقد كان المجتمع الإسلامي إسلاميا مرتبطا بالشريعة، ولو لم يكن كذلك لظهر فيه مجتهدون يبيحون ما حرم الله، كما وقع في المجتمعات الغربية؛ التي أباحت زواج الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، وتقنين الشذوذ الجنسي، ودعوة جمعياته ... وهي المجتمعات التي يخطئ بعض المؤرخين ويطلقون عليها (مجتمعات مسيحية) ... فعلى الرغم من الثروة الفقهية الإسلامية الهائلة، لم نجد مذهبا فقهيا - أو مجتهدا ما - يبيح زواج الرجل بالرجل، كما باركت المجتمعات المسماة بالمسيحية العلمانية ذلك، ولم نجد أي مذهب فقهي - ودعنا من الخارجين على الإسلام، أو المأجورين من قبل دين آخر، أو نحلة أخرى - يبيح الزنا، أو الربا، أو الخمور، أو الدعارة الرسمية!!

(1) حسن الترابي: تجديد الفكر الإسلامي، ص: 58، الدار السعودية للنشر، ط 2/ 1407 هـ بتصرف.

(2) سيد قطب: نحو مجتمع إسلامي، ص: 52، دار الشروق، ط 8/ 1988 م - مصر.

(3) المرجع السابق، ص: 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت