لم يبذل حتى الآن جهد موضوعي كاف في مجال اعتماد التاريخ منطلقا من المنطلقات الأساس لنهضة الأمة الإسلامية!!
ففي المجال الثقافي ما زال تاريخنا الإسلامي يتعامل معه على أساس الانتقاء المذهبي، وإسقاط الأيديولوجية المسبقة، وعلى أحسن الفروض يتعامل معه على أساس أنه مجرد ذاكرة لماضي الأمة، وأن وقائعه يجب أن تخضع لمعايير التوثيق السليم، والعرض المنهجي التقليدي.
وفي المجال الدراسي التعليمي ما زال تاريخنا بعيدا عن بناء إنسان مسلم عالمي الرؤية والأهداف؛ يتلقى التاريخ على أساس أنه تاريخ كل المسلمين، وأنه المحاولة البشرية -بإيجابياتها وسلبياتها- لتطبيق المبادئ الإسلامية في الحياة، وأنه الترجمة الصادقة لفاعلية المسلمين في التاريخ الحضاري.
إنه يقدم في كل بلد مسلم تقديما خاضعا لنظام الحكم، وتلوى عنق وقائعه لتخدم التوجه السياسي لكل بلد، ولتساعد على تخريج جيل يؤمن بالنظام السائد، وببعض ما يرضى عنه النظام من فترات الماضي!!
إنها لكارثة حقا أن تشكل مؤسسات للعرب جميعا وللمسلمين جميعا، وأن تعلوا أصوات كثيرين بوحدة المسلمين وبالتضامن الإسلامي، بينما يفرض على تاريخ المسلمين أن يسخر لتفتيت المسلمين وغرس الإقليمية والقومية العنصرية، بل وتبرير بعض المذاهب المادية والعلمانية والإلحادية والباطنية التي فرضها خصوم المسلمين عليهم جراء ضعفهم وتمزقهم، وعدم تعبيرهم التعبير الصحيح عن حقائق الإسلام ومنهجه في بناء الفرد، والأمة، والحضارة.
ووسط هذا الإجهاض لدور التاريخ في بناء نهضة الأمة تقف هنا وهناك محاولات قليلة تشبه الشموع وسط ظلام حالك.
إنها محاولات تحاول تعميق النظرة في التاريخ نفسه، وليس تشريحه وفق خلفية مسبقة وتوظيف رسمي أو مذهب محدد ...
وهي تحاول أن تنظر إلى وحدة التاريخ الإسلامي وتشابكه على أساس وحدة الحضارة الإسلامية، حتى وإن اختلفت أساليب التعبير وأصداء الإيقاعات ...
فمن فوق مناهج التمزيق الذي يعتمد عناصر الدولة، أو القوم، أو الأرض، أو اللغة -وحدها- أو كل عنصر على حدة؛ يقوم التشريح الإسلامي للتاريخ على أساس (الحضارة) باعتبارها الوحدة القابلة للتنظير والتفسير الشمولي الموضوعي ...
ولأن الإسلام كان دائما -حتى وإن خانته طائفة حاكمة أو طائفة مذهبية خارجة على انسجام الحضارة وأصولها- دينا ينساب في كل أركان الحياة، ويتفاعل انطلاقا من عقيدة المسلم الفرد وإيمانه وشريعته في مستواه وفي مستوى الجماعة ...
ولأن الإسلام دين ملتصق بواقع الناس وشتى أركان حياتهم على هذا النحو المعروف، فإن الإسلام كان -دائما وما زال- يشكل -بنظمه ومؤسساته، وطوائفه المؤمنة، والعالمة، والصانعة، والزارعة، والمجاهدة-الخيوط الثابتة التي نصنع نسيج المجتمع وتحكم علاقاته، وثوابته، وعاداته، وتقاليده.