فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 95

ومن البديهيات أن المسلمين عاشوا حياة اجتماعية عبر أماكن شاسعة، وبصورة كثيرة، وأن هذه الحياة الاجتماعية قامت على نظم أسرية، وعلى عادات وتقاليد، وعلى أنماط من العلاقات الموجهة من قبل المبادئ المسيطرة ... وقد كانت لهؤلاء المسلمين بالتأكيد نشاطات يتكسبون منها - زراعة أو صناعة أو حرفا أو تجارة، أو مهنًا عقلية وثقافية - كما كان لهم بالضرورة أسواق للتبادل والبيع والشراء!

وفي تلك العصور ونتيجة تخلف المواصلات كان مستحيلا أن تعيش أمة عالة - في أساسات حياتها - على أمم غيرها؛ ولذلك كان على المجتمع الإسلامي أن يعمل، وأن يكفي نفسه على الأقل، وإلا تعرض للفناء، ولقد بقي المجتمع الإسلامي - على الرغم من كل ما وقع فيه من انحرافات - بعيدا عن صورة الإقطاع الأوروبي الذي يملك فيه الإقطاعي الأرض ومن عليها من عبيد الأرض؛ الذين لا يملكون حق الانتقال إلا بإذن السيد، كما كان الحال في العصور الوسطى، وكان الذي حماهم من {حتمية} الإقطاع - ماركسيا-ـ تحاكم ذلك المجتمع إلى شريعة الله، برغم كل الظلم الناشئ من تجاوز بعض حكامهم، فيما يتعلق بأشخاصهم لحدود الله؛ ولكن الناس - في ظلهم - يتحاكمون فيما بينهم بشريعة الله [1] .

وقد بقى المجتمع المسلم - بالرغم من كل ما وقع فيه من تجاوزات- مجتمعا يحرص على نشر العلم، ويفتح المدارس، ويوقف عليها من الأوقاف ما يكفل للمعلمين والمتعلمين معاشهم من سكن وملبس ومطعم، وذلك قبل أن تنهض أوروبا نهضتها وتعرف قيمة العلم.

وبقى المجتمع - رغم كل انحرافاته - نظيفا إلى حد كبير من الفاحشة الخلقية، بسبب التزامه بتعاليم دينه في أمر الحجاب، ومنع الاختلاط والتبرج، وفي أمر الزواج المبكر، وبقى مجتمعا متآخيا متكاملا مترابطا ... يخرج المسلم فيه من المغرب حتى يصل إلى إندونيسيا لا يوقفه حاجز واحد من جواز الحدود السياسية أو {القومية} أو {الوطنية} ... فقد كان فوق كل ذلك!!.

وبقى - برغم كل ما اعتوره من اضطراب الأرض عند ضعف سلطان الدولة - أقل مجتمعات الأرض جرائم، وأكثرها طمأنينة وأمنا وبركة [2] .

وكان للمرأة المسلمة مكانها ونصيبها في صناعة هذه الحياة الاجتماعية في إطار الشريعة الإسلامية التي تؤكد على أن بناء الإنسان - رجلا أو امرأة - هو أول الأبنية في صناعة الحضارة، وأن التضحية بوظيفة بناء الإنسان - عن طريق هدم الأسرة ـ تمزيق للبناء الاجتماعي كله، وقد ضمت كتب التراجم والطبقات، وأعلام النساء ما يؤكد وجود المرأة في الحياة الإسلامية وجودا بناء تحكمه شريعة الإسلام.

ونحن لا نريد أن نسهب في الحديث عن موضوع (الرق) والموالي بصفة عامة، إلا أننا نستطيع القول بأن المجتمع الإسلامي كان مجتمع أحرار، وأن باب الحرية كان مفتوحا أمام كل من يشعر في نفسه بقدرته على تحمل أعباء الحرية ومسؤوليتها، وذلك عن طريق (حق المكاتبة) الذي يذهب بعض الفقهاء إلى أنه حق للعبد، وأن على السيد أن يستجيب للرقيق متى طلب المكاتبة، وأن على المجتمع الإسلامي أن يساعد العبد في الحصول على حريته!! وأن يدفع له من المال ما

(1) محمد قطب: حول التفسير الإسلامي للتاريخ، ص: 145، نشر المجموعة الإسلامية، السعودية، ط 1.

(2) المرجع السابق، ص: 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت