فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 95

يعينه على تحقيق ذلك، كما جاء في آية: {لَيْسَ الْبِرَّ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة: 177] .

لقد حرر الإسلام الإنسانية كلها نفسيا وفكريا وتشريعيا؛ عندما جعل العبودية لله وحده، وأرسى الحقوق الإنسانية العامة.

فلقد كان العبيد يقفون مع السادة في المساجد سواء بسواء، وقد استطاعت أعداد كبيرة منهم أن تحتل مناصب رفيعة؛ بل أن تشكل دولا خدمت الإسلام كثيرا، وأن تكون جيوشا دافعت عن عقيدة الإسلام وبلاد المسلمين في معارك خالدة ... وهذا يؤكد ما قلته من وجود أرضية فكرية ونسيج نفسي وأخلاقي وتشريعي يسود هذا المجتمع، بصرف النظر عن الوظيفة الاجتماعية للطبقات المختلفة!!

وفي إطار هذه الحياة الاجتماعية الشاملة والعادلة كانت للمسلمين مساجدهم التي كانت تقوم بدور قائد، ولم تكن مجرد دور للعبادة؛ إذ إن هذا المفهوم الذي يؤدي إلى (الرهبنة) والانعزال أو الانسحاب لم يعرف في الإسلام، لا في داخل المسجد ولا في الحياة الاجتماعية كلها ... فالمسجد يتفاعل مع الحياة، والأرض كلها مسجد تخضع لقيم الإسلام، وتهدف إلى عمارة الأرض؛ لتحقيق عبادة الله، ونشر عقيدة توحيد الله في الأرض ... وعندما نريد الحكم على مدى إسلامية هذه الحياة الاجتماعية -أو الحكم بعدم إسلاميتها- فإننا يجب أن نقوم {بتفكيك} شتى النشاطات والعلاقات الفردية والأسرية والاجتماعية العامة ... أي أننا -بإيجاز- يجب أن نرصد المجتمع الإسلامي والناس الذين يعيشون فيه في كل أوضاعهم وبكل شرائحهم، مسلطين الضوء على شبكة العلاقات الاجتماعية في شتى أحواله؛ من جد وترويح وحزن وفرح وسلام وخلاف وزواج وطلاق ... إلى آخر كل الخيوط المشكلة لنسيج الحياة الاجتماعية.

وفي الحياة الاقتصادية -لكي يكون حكمنا موضوعيا كذلك- يجب أن نرصد مدى تمثيل المجتمع الإسلامي لأبواب المعاملات كلها، ونقيس ما كان سائدا من النشاطات الاقتصادية على أحكام المعاملات الإسلامية، فمثلا: هل كان المجتمع الإسلامي في عصوره المختلفة يخضع لسيادة الربا؟ أو أن الربا كان -ككل صور الشذوذ-كان سلوكا منبوذا فرديا يقاومه المجتمع؟

لقد كان المجتمع الإسلامي -إذن- مجتمع (القرض الحسن) ، والتكافل الاجتماعي (ونلاحظ هنا ظاهرة الحبوس والأوقاف التي امتاز بها المجتمع الإسلامي) .

هل كانت الزكاة فقط هي الواجب الذي يؤديه المسلم، أو أنه كان يؤدي واجبات كثيرة مثل حقوق الجيران، وحق الماعون، وحق الضيافة، وحق ابن السبيل في الإيواء، إلى آخر هذه الحقوق؟

وهكذا نتدرج إلى شتى النشاطات الاقتصادية والمالية والاجتماعية لنقدم الرأي المحايد فيها.

ولعلنا نتساءل هنا: لماذا لم تظهر -ولم تنجح- كل صور الشيوعية أو الاشتراكية في العالم الإسلامي؟ بينما ظهرت أو انتشرت في المجتمعات الغربية، وكادت تجتاح الغرب كله لولا أن بادر إلى تحقيق صور من التكافل والضمان وحقوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت