الإنسان سدت الباب في وجه الشيوعية، وأطلقت الإنسان إلى عالم العلم والعمل والإبداع؟ ... أليس قيم تحقيق التكافل والضمان، وحقوق الإنسان هي التي حالت دون وجود صراع اجتماعي أو اقتصادي في المجتمع الإسلامي على النحو الذي ظهر في حضارات الإغريق والرومان وأوروبا الحديثة؟!
ولكي نحكم على الحياة الثقافية والفكرية والتعليمية؛ يجب أن نقوم بعملية التحليل نفسها، فنتتبع كل الخلايا العلمية والتثقيفية؛ بدءا بالدور والكتاتيب، وأروقة المساجد، ومن ثم المدارس النظامية، والجامعات، والرباطات، والمكتبات العامة والخاصة.
إن الأمر ليس عملا هينا ولا بسيطا، ويجب أن يجتهد المؤرخون فيه، كما اجتهدوا في استقصاء الوقائع العسكرية، وحياة الساسة، وكل ما صغر من {أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام} [1] ، وغيرهم ممن بويعوا بعد الاحتلام!!!
لقد قدمت الشرائح المختلفة ما تستطيع من جهد، فأفرزت لنا كيانا مستقلا اسمه (الحضارة الإسلامية) ... وقد قام المسلمون أنفسهم - على نحو ما ذكرنا - بنقد مصادرهم ومؤرخيهم؛ بهدف الوصول إلى الحق، وقد قاموا بهذا النقد وفق مبضع جريء قوي، لا يخشى في الحق لومة لائم ... وقد استطاعوا -بهذا المنهج- أن يصححوا مفاهيمهم وسلوكياتهم، وأن يحموا سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم وسنته القولية من كل أوهام يريد المغرضون والأعداء إقحامها لتشويه المثل الأعلى والقدوة وتضليل منهج المسلمين.
كما أن مصادر كثيرة - لم تأخذ حقها من الدراسة والإفادة بعد، وقد ألمحنا إلى بعضها؛ ككتب الطبقات والرحلات والجغرافيين والأدب والفقه - قد قدمت أنماطا ونماذج من الحياة الاجتماعية والاقتصادية ... وهي تحتاج إلى أن تصبح هي وغيرها من كتب الحضارة - قبل كتب السياسة - مناط البحث التاريخي، حتى نكتشف - بوضوح ويقين - كيف أن الشريعة كانت تحكم هذه الحياة الإسلامية المهيمنة والصانعة لنسيج الحياة، وشبكة العلاقات.
ومن الجدير بالتوضيح؛ أن ما يفعله بعضهم من ربط مستوى التزام الساسة بالإسلام بالتزام المجتمع - ومنهم مدرسة الأستاذ {محمد أركون} - إنما هو ارتباط في غير موضعه ... ولو لزم وجود هذا الارتباط في مسيرة الأديان والعقائد لما عاش أي دين ...
ولكان اليهود - مثلا - قد ذابوا في الشعوب الأخرى؛ إذ إنهم قلما قامت لهم دولة في التاريخ ... ومع ذلك تحملوا الاضطهاد والاغتراب، وبقوا حتى اليوم يعلنون هويتهم الدينية، حتى في اسم الدولة التي استطاعوا تسخير القوى الكبرى لإنشائها، وهي {إسرائيل} بل ربما كان الاضطهاد السياسي دافعا إلى مزيد من التماسك والالتزام.
وفي التاريخ الإسلامي كانت رغبة المجتمعات الإسلامية الدائمة هي الالتزام بالإسلام والتمسك به {إنها ما استسلمت بسهولة لتقاليد الحكام؛ بل شقت طريقها المستقل بمواجهتهم، وعملت جادة من أجل إعادتهم إلى جادة الصواب} [2] ...
(1) اسم كتاب للمؤرخ الكبير لسان الدين بن الخطيب.
(2) عماد الدين خليل: ملاحظات في تاريخ المجتمع الإسلامي، ص: 8، نشر مكتبة الثورة، القاهرة.