وعندما كانت تعجز؛ فإنها كانت تقاوم بالفعل الحضاري، فيعمل الدعاة والفقهاء والمحتسبون على إنكار المنكر ومقاومة مفاسد السياسة، ويتطوع المجتمع المسلم ببناء المؤسسات الإسلامية التي تغنيه عن الحاكم، ويحاصر بها أهواء الحكام المنحرفين، ومعظم المساجد والكتاتيب والأوقاف الخيرية كانت تقوم على أكتاف الشعوب المسلمة ... وما زالت حتى اليوم في أكثر بلاد الإسلام!!
وعبر عصور الحضارة الإسلامية المختلفة كان المجتمع الإسلامي -اعتمادا على بنائه للفرد والأسرة المسلمة والتربية والتعليم الإسلاميين- يتحرك في عملية جهاد مستمر لصياغة حياته وفق شريعة الإسلام، ماضيا على جهات ثلاث متناغمة ومتكاملة: حركة ذاتية عميقة؛ لتمكين الإنسان الفرد من المزيد من التحقق بالإيمان، وحركة جماعية أفقية؛ لتمكين المجتمع المسلم من حماية نسيجه وإحكام حبكته، وحركة صوب الخارج تحمل بعدا عقديا؛ يتوسل بالسياسة أو القوة العسكرية حينا، وبالفعل الحضاري والكلمة المؤمنة الهادية في أكثر الأحايين [1] .
وبالمنظور الشمولي نفسه نرصد الإطار العام لحركة التاريخ الإسلامي وحضارته، من خلال فاعلية الإنسان المسلم وإبداعه، فنجد هذا الإطار تنتظمه مراحل أساسية كبرى هي [2] :
1.مرحلة تكوين الإنسان المؤمن (النموذج)
لقد تم في عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام - تكوين المسلم تكوينا دينيا شاملا لشؤون الحياة الدنيا، وهذا العهد النبوي (عهد الصحابة رضي الله عنهم) هو أساس كل تحضر إسلامي، وفي كثير من مراحل التاريخ الإسلامي تمت محاولات ناجحة لبناء إنسان مسلم يقتفي أثر النموذج، وكان لهؤلاء دور كبير في إثراء الحضارة الإسلامية، ونهوضها في محاط كثيرة.
2.مرحلة تبليغ أساسات الحضارة الإسلامية للأمم
وهي مرحلة الفتوحات الكبرى؛ التي كان العصر الأموي قمتها، وقد تكرر نموذجهم في التاريخ على يد المرابطين في المغرب، وبني أمية في الأندلس، والمماليك والأكراد والعثمانيين في بعض عصورهم.
3.مرحلة اللقاء الحضاري بين الإسلام وبين حضارات الأمم
وقد تفاعل المسلمون مع حضارات غيرهم، وسرعان ما تفهموا روح الحضارات الأخرى وعناصرها، وقاموا ببناء حضارة روحها وجوهرها الإسلام، ورداؤها كل مظاهر التحضر الإنساني، وهذا تحقق في العصر العباسي حتى أواسط القرن الرابع الهجري -مع بعض الملاحظات على عصر المأمون- وهذا النموذج تكرر في فتح الإسلام للهند، وفي التفاعل الإسلامي الواعي (وليس العلماني) مع حضارة أوروبا المعاصرة.
4.مرحلة الإبداع مع التنوع
(1) المرجع السابق، ص: 5، بتصرف.
(2) محمد عبد الهادي أبو ريدة: روح الحضارة الإسلامية ومميزاتها، دراسة نشرت ضمن أعمال قسم الثقافة الإسلامية في جامعة الإمام (1403 هـ) ، بتصرف.