ومع تقديرنا لما كتبه ديورانت، وما كتبه غيره من أمثال أرنولد توينبي (ت 1975 م) في كتابه (موجز دراسة للتاريخ) وغوستاف لوبون (ت 1932 م) في كتابه حضارة العرب [1] ، وآدم متز (ت 1917 م) في تأريخه لحضارة العرب والمسلمين في القرن الرابع الهجري (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري) ... فإن ما كتبه هؤلاء ـ ومن في مستواهم ـ لا يرقى إلى ما كتبه سير توماس أرنولد (1864 - 1930 م) في كتابه الرائع (الدعوة إلي الإسلام) ...
ولعل محاولتي الدكتور حسين مؤنس في كتابه (عالم الإسلام) و (الإسلام الفاتح) هما - في الجانب الإسلامي - المحاولتان القريبتان من المنهج الصحيح لتاريخ حضارتنا ... وهما ـ ولا سيما ثانيتهما ـ تسيران على خطى محاولة أرنولد في تاريخ الدعوة إلى الإسلام ... وليس في تاريخ بعض الحروب، أو بعض الحكام، أو بعض صور النزو على السلطة من بعض قطاع الطرق والمزورين لإرادات الشعوب، والمزيفين لحقائق التقدم وقوانين التحضر!!
إنها رحلة طويلة ... رحلة كتابة تاريخنا الحضاري، بعيدا عن المنطقة البشرية ذات الصورة المعتمة التي أتاحت الفرصة لبعض المغرضين كي يظلموا هذا التاريخ ... حقا إنها منطقة مظلمة ... لكنها محددة، وثمة مساحات مظلمة تفوقها أضعافا مضاعفة في كل تواريخ البشرية ... لكن تفرد حضارتنا أنها في مساحتها الوضيئة الأخرى - الأكبر والأشمل - لم يستطع أن يصل أي تاريخ إلى مستوى إنسانيتها ورحمتها وعدلها، وتوازنها، وشعورها بالمسؤولية الحضارية تجاه البشرية.
• لقد كانت حضارة الرحمة، والعدل، والعلم، والعقل، والعمل، والضمير، والقلب ...
• وبغير روح وعقل وعمل لن تقوم حضارة إسلامية، ولا سيما في عصرنا الحديث!!
• والتحدي الذي يواجهنا اليوم هو أن نعمل كما يعملون هناك في اليابان، وأوروبا، وأمريكا، وكوريا (عشر ساعات في اليوم) ... ونمزج عملنا المادي بعناصر حضارتنا الإسلامية بمعادلاتها المتفردة ... وفي مشكاتها الربانية ... {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} [النور: 35] .
(1) انظر: مقدمة كتاب فلسفة التاريخ لعادل زعيتر، دار المعارف - مصر، 1945 م.