فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 95

متشابهات يخفى معناها على كثير من العقول، وتحتاج إلى إيضاح، ولهذا كان من المفيد أن يعرف المسلمون ما فعله النبي أو الصحابة، وما قالوه في أمثال هذه الموضوعات، ومن أجل ذلك وجه بعض المسلمين عنايتهم إلى جمع هذه الأحاديث، وأنشئوا مدارس للحديث في مختلف المدن يلقون فيها دروسا عامة في الحديث والسنن النبوية [1] .

ويعزو (ديورانت) سبب إسلام الشعوب المختلفة إلى تسامح المسلمين وتمسكهم العملي أمامهم بدينهم، فيقول: وعلى الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتجها المسلمون الأوائل، أو بسبب هذه الخطة؛ اعتنق الإسلام معظم المسيحيين وجميع الزراداشتيين والوثنيين إلا عددا قليلا منهم، وكثيرون من اليهود في آسيا، ومصر وشمال إفريقيا، فقد كان من مصلحتهم المالية أن يكونوا على دين الطبقة الحاكمة، وكان في وسع أسرى الحروب أن ينجوا من الرق إذا نطقوا بالشهادتين ورضوا بالختان، واتخذ غير المسلمين على مر الزمن اللغة العربية لسانا لهم، ولبسوا الثياب العربية، ثم انتهى الأمر بأتباعهم شريعة القرآن واعتناق الإسلام، وحيث عجزت الهلينية عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام، وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها، وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي؛ في هذه الأقاليم كلها انتشرت العقائد والعبادات الإسلامية، وآمن السكان بالدين الجديد، وأخلصوا له، واستمسكوا بأصوله إخلاصا واستمساكا أنساهم بعد وقت قصير آلهتهم القدامى، واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدة من الصين، وإندونيسيا، والهند، إلى فارس، والشام، وجزيرة العرب، ومصر، والى مراكش، والأندلس، وتملك خيالهم، وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث فيهم آمالا تخفف عنهم الحياة ومتاعبها، وأوحى إليهم العزة والأنفة [2] .

• وبعد أن يخلص (ديورانت) من خلال سرده التاريخي المطول المتعمق؛ ينتهي إلى رأي تاريخي مقارن في الأثر الايجابي الفريد للشريعة الإسلامية في الحضارة ... فيقول:

{ولا يسعنا إلا أن نسلم، مع بعض التحفظات - بأن الخلفاء الأولين من أبي بكر إلى المأمون قد وضعوا النظم الصالحة الموفقة للحياة الإنسانية في رقعة واسعة من العالم، وأنهم كانوا من أقدر الحكام في التاريخ كله، ولقد كان في مقدروهم أن يصادروا كل شيء، أو أن يخربوا كل شيء كما فعل المغول أو المجر، أو أهل الشمال من الأوروبيين؛ لكنهم لم يفعلوا هذا؛ بل اكتفوا بفرض الضرائب. ولما فتح عمرو مصر أبى أن يستمع إلي نصيحة الزبير حين أشار عليه بتقسيم أرضها بين العرب الفاتحين، وأيده الخليفة في هذا الرأي وأمره أن يتركها في أيدي الشعب يتعهدها فتثمر. وفي زمن الخلفاء الراشدين مسحت الأراضي، واحتفظت الحكومة بسجلاتها، وأنشأت عددا كبيرا من الطرق وعنيت بصيانتها، وأقيمت الجسور حول الأنهار لمنع فيضانها} [3] .

(1) ول ديورانت: قصة الحضارة 13: 116.

(2) المرجع السابق 13: 133.

(3) المرجع السابق 13: 105، وانظر موسوعة المستشرقين لعبد الرحمن بدوي، ص: 544، ط لبنان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت