المناجم، واستخرجوا منها الكبريت، والنحاس، والزئبق، والحديد، والذهب، وبرعوا في الصياغة وصقل الفولاذ، وبرعوا في كثير من فنون الصنائع براعة لم يلحق لهم شأو فيها للآن [1] .
• ولم يتخلف المجتمع الإسلامي - وبعد أكثر من عشرة قرون من التفوق - إلا حين انفصل العلم عن العمل، ومن ثم أهمل العلم ... وأهمل العمل؛ أما خلال قرون ما قبل التبعية والوقوع تحت ضغط الغزو الفكري ومشروعات الإبادة الحضارية، فقد كانت الروابط الإسلامية تحكم المجتمع الإسلامي (مع وجود الهنات البشرية) على مستوى المسجد، ومستوى الجيران، ومستوى الأرحام، ومستوى القربى، ومستوى العائلات والقبائل، ومستوى الأحياء في المدن، ومستوى الشعور الإسلامي الذي ينظم الأمة الإسلامية كلها ...
ونسيج هذه الروابط تجمعها شريعة حاكمة، تقوم على العلم والعمل والوحي والعقل، والتعاون والتكامل، وليس التنافر والصراع.
ومن عجب أنه بينما لم يحسن بعض المؤرخين فهم تاريخ المجتمعات الإسلامية، ولا النظر الدقيق لمحركاتها وإيجابياتها، ولا الوصول إلى تحليل سليم لمكوناتها وعناصرها الحية ... ولا التأريخ ليوم واحد كامل من أيام فرد مسلم، أو عائلة مسلمة، أو قرية مسلمة، منذ صلاة الفجر وشروق الشمس، وحتى تنام هذه الأسرة بعد صلاة العشاء ... إنهم لم يفعلوا ذلك، ويرصدوا نصيب شريعة الإسلام في حياة المسلمين ... أفرادا أو جماعات ... في مستوى الالتزام الواعي -في الحياة الاقتصادية-ـ بالنظام الإسلامي في المعاملات ... وفي مستوى (المسجد) عبادات وثقافة وعلاقات اجتماعية ... وفي مستوى الأسواق، ودور المحتسبين فيها ... وفي مستوى (الكتاتيب والمساجد) والنشاطات العلمية الموجودة فها ... وفي مستوى المسلم، وعلاقة الزوجة بزوجها والأبناء بآبائهم، والأرحام، والجيران ... وفي مستوى الأحوال الشخصية، وتأثيرها في بناء البيت المسلم وفي صياغة أفراحه ونظام تكوينه للأسرة ... وأيضا في إخضاع البيت المسلم لشريعة الإسلام في شتى أحواله ... عند الزواج، وعند الخلاف، وعند الموت وما يتبعه من ميراث إسلامي ... وفي مستوى الأخلاق والروح العامة التي تحكم هذا المجتمع وتصوغ أطره وعلاقاته ... إلا أنهم ذهبوا يحكمون على الحضارة الإسلامية من خلال رصد عاجز لشريحة واحدة، لا ترتفع فاعليتها لأكثر من عشر فاعلية الشرائح الأخرى التي صنعت حضارتنا، وهي شريحة الحكام ...
بينما هذا -بصفة إجمالية- على مستوى المؤرخين والمنظرين المسلمين، نجد كثيرا من المؤرخين الأوروبيين (المنصفين) قد أحسنوا رصد الحياة الاجتماعية وأثر الإسلام فيها، واعترفوا بالمكانة الكبيرة والأساسية والقوية للشريعة الإسلامية في حياة المسلمين خلال تاريخ الحضارة الإسلامية الطويل ... يقول المؤرخ الكبير (ول ديورانت) : كان المسلمون كثيري التفكير في ربهم، وكانت مبادئهم الأخلاقية، وشريعتهم، وحكومتهم قائمة كلها على أساس الدين. والإسلام أبسط الأديان كلها وأوضحها، وأساسه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويتطلب الجزء الثاني من هذا الأساس الإيمان بالقرآن، وبكل ما جاء به من أوامر ونواه، والمسلمون الصالحون لا يعملون بما ورد في القرآن وحده؛ بل يعملون أيضا بالأحاديث والسنن النبوية التي احتفظ بها علماؤهم على مر الأجيال والقرون؛ ذلك أن المسلمين قد يواجهون على مر الزمن مسائل خاصة بالعقائد، والعبادات، والأخلاق، والتشريع، لا يجدون لها جوابا صريحا في القرآن. كذلك وردت في القرآن آيات
(1) نقلا عن المرجع السابق، ص: 196.