وفي ضوء الربط بين العلم والعمل، والإيمان بأن العمل ضرورة لا مناص منها، وأنه داخل في العبادة، وفي عموم الهدف الأعلى للحياة الذي يحدده قوله - تعالى - {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات: 56] ، وتمثلا بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين جمعوا بين العبادة والعمل والجهاد في معادلة متكاملة منسجمة رائعة ...
• في ضوء هذا الوعي بقيمة العمل القائم على العلم، انطلق المسلمون يعمرون الكون، ويتفوقون في الحرف والصناعات، ويزرعون ويتاجرون ويشتغلون بكل العلوم النافعة، أو بتعبيرهم الإسلامي {العمل الصالح} أي القائم على الصلاح والصلاحية، وبما أن العمل يستلزم لطبيعة أدائه معرفة الظروف والوسائل والإمكانات والغايات، ولا يستقيم له أن يكون صالحا إذا كان ضربا من الخبط في الظلام أو الانسياح مع هوى أو وهم، أو عصبية [1] ؛ لأنه يستلزم ذلك فقد التزم المسلمون في عملهم ـ في حدود الممكن البشري - بالمواصفات الإسلامية للعمل الصالح.
وهذه واحدة من المعالم الرئيسة في تفسير الإسلام للتاريخ، وفي المنظومة التي يقيم عليها بناءه للحضارة وضماناته لاستمرارها: إنها تتلخص في أن يعمل الإنسان بوحي من العقل، وفي ضوء المعرفة، على تحسين المسير وتفادي السوء، والقيمة الحقيقية إنما هي للعمل الصادر عن فكر نير في سبيل غاية شريفة ... [2] إنه الوحي والعقل، والصلاح والصلاحية، والعلم والعمل؛ في نسيج واحد ...
• ولقد كان لمفكري الإسلام على امتداد التاريخ يد طولى وأساسية في نشر هذا الاعتقاد السائد اليوم، وهو: (إن التاريخ البشري الناشئ عن تفاعل عدد لا يحصى من العقول الإنسانية، ينبغي أن يكون خاضعا لقوانين بسيطة يمكن أن تدركها تلك العقول) [3] ، وبالتالي فقد كان لدى المسلمين نظرة عملية للتاريخ ترتبط بالفكر، وليست مجرد نظرة فلسفية هائمة أو حالمة، وهي نظرة عملية قائمة على ثوابت الوحي واجتهادات العقل.
وإذا كان القرآن كثيرا ما يضيف إلى (الذين آمنوا) وصف العمل الصالح (وعملوا الصالحات) فإن المسلمين قرنوا العلم بالعمل في الناحية الروحية، وكذلك امتازوا بتطبيق النظريات الكونية على التجارب العملية، وكانت هذه الخصلة القويمة فيهم نفحة من نفحات دينهم، فلم يمض عليهم ردح من الزمن حتى أصبحوا أئمة العلم والعمل في الأرض [4] ، وقد شهد لهم كبار الأجانب بهذه المكانة فقال العلامة الفرنسي (غوستاف لوبون) في كتابه حضارة العرب:
إن العرب مع ولوعهم بالأبحاث النظرية لم يهملوا تطبيقها على الصنائع، فقد أكسبت علومهم صنائعهم جودة عظيمة جدا، وإننا وإن كما لم نزل نجهل أكثر الطرائق التي سلكوها لذلك، فإننا نعرف نتائجها وآثارها، فنعرف مثلا أنهم احتفروا
(1) المرجع السابق، ص: 36.
(2) المرجع السابق، ص: 37.
(3) المكان السابق.
(4) محمد فريد وجدي: مهمة الإسلام في العالم، ص: 195، طبع الأزهر.