-وقد بدأ النصارى تاريخهم وتنظيرهم بما بدأت به التوراة، فرجعوا إلى (الجنة) التي عاش فيها آدم وحواء قبل هبوطهما على الأرض، وقسموا التاريخ إلى قسمين رئيسين هما:
-المرحلة التي سبقت خروج آدم من الجنة، والمرحلة التي أعقبت ذلك الخروج!! وبالمثل فإن اليهود قد استخدموا وقائع طردهم من القدس، أساسا لتاريخهم وترتيبهم الزمني للأحداث.
-أما الإغريق فأتوا بفكرة مماثلة، وهي فكرة اضمحلالهم بعد أن كانوا في عصر ذهبي، وقسم أحدهم عصور التاريخ إلى خمسة أقسام هي: الذهبي، والفضي، والبرونزي، وعصر الأبطال، والعصر الحديدي. أما الآباء المسيحيون الأول فقد جعلوا العصر الذهبي قرينا بالعصر الذي عاش فيه الإنسان في الجنة، ثم ما تبعه من وقوع الخطيئة [1] ...
-وجاء مؤرخو العصور الوسطى (الأوروبية) فتأثروا بهذه التقسيمات، وصاغوها صياغات أخرى، واعتبروا العصر الوسيط استمرارا للإمبراطورية الرومانية، واعتبر المؤرخ (بلوندوس) (1463 م) أن العصور الوسطى حقبة انفصلت فيها شعوب أوروبا الغربية عن روما، ثم جاء المؤرخ الهولندي (كرستوف كيلر) بتقسيم عصور التاريخ إلى أقسامه التقليدية الثلاثة المشبعة بالروح الكنسية؛ وهي التاريخ القديم الذي ينتهي بعصر قسطنطين العظيم، والتاريخ الوسيط الذي ينتهي بسقوط القسطنطينية سنة (1453 م) ، ثم التاريخ الحديث من سنة (1453 م) فصاعدا [2] .
-وكان ظهور {مارتن لوثر} عودة جديدة إلى الرؤية المسيحية للتاريخ؛ بل إن حركة الإصلاح الديني بقيادة (كالفن) و (لوثر) أعطت الجهد البشري في تفسير التاريخ تقديرا أقل مما أعطته له الكنيسة في سالف عهدها، ولم يقتصر الأمر على أن تصبح العقيدة الدينية، والمنظمات التابعة لها هي صاحبة المقام الأكبر والأول في مقام البحث التاريخي؛ بل إن التاريخ العالمي صور مرة أخرى على أنه الصراع الكبير بين الله والشيطان [3] .
-ومع نهاية العصور الوسطى المسيحية، وبداية عصر الكشوفات الجغرافية، وخروج الأوروبيين في حركتهم التوسعية الاستعمارية، وانتشارهم في البحار وعلى اليابسة، وتعرفهم على الكرة الأرضية، ومحاولتهم السيطرة عليها لحسابهم الخاص - دون نظر إلى الحضارة الإنسانية العامة ومصلحة البشر - ... في هذا الوقت نفسه الذي ذهب فيه (ماجلان وكولومبس وفاسكو دي جاما) يكتشفون العالم، وكان هناك آخرون من أمثال (برونوكوبر ينكس وجاليليو وكبلر ونيوتن) ؛ يكتشفون خصائص النظام الكوني، وحركة الكواكب، واستطاع كل من (بيكون وديكارت وجون لوك) أن ينظموا مغزى الاكتشافات العالمية في فكر فلسفي مستقيم ... في هذا الوقت ظهر مؤرخون يحاولون أن يقدموا تفسيرا اجتماعيا، يتساوق مع الاكتشافات الجغرافية الكونية، وتألقت فكرة (تطور المجتمع) تطورا منتظما، شأنه في ذلك شأن الطبيعة، وكان أبطال هذا التوظيف توظيفا يتساوق مع الاكتشافات الأوروبية هم: (فيكو وهيوم وفولتير وكانط وجودوين وكندورسيه) .
(1) هاري المربانز: تاريخ الكتابة التاريخية، ترجمة: محمد عبد الرحمن برج 1/ 32، طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة (1984 م) .
(2) المرجع السابق 1/ 33.
(3) المرجع السابق ص: 175 - 176.