وبعد شبنجلر سار فلاسفة آخرون أوروبيون على النهج نفسه في توظيف التاريخ وتفسيره لخدمة الحضارة الأوروبية والرؤية النصرانية أو العلمانية للتاريخ!!
وهكذا، ومن خلال هذا العرض، يتجلى لنا أنه منذ خمسة قرون - على الأقل - والبحث عن المنهج التاريخي الأصلح لكتابة التاريخ الإنساني وفلسفة التاريخ يحتل من المفكرين والمؤرخين في العالم مكانة عظيمة، وتبذل فيه جهود شاقة رائعة، سواء اختلفنا معها أو اتفقنا ... وبالطبع ليس لنا في هذا المقام أن نتجاهل دور العلامة عبد الرحمن بن خلدون في إيقاظ هذا الوعي التاريخي على المستوى العالمي كله.
ويعد العالم الإسلامي - مع ذلك وللأسف - نشازا في هذا البحث اللاهث، فما زال البحث التاريخي لا يهتم - إلا في القليل - بقضيتي منهج البحث التاريخي وفلسفة التاريخ، فضلا على التوظيف لتجربتنا الحضارية في مراجعة مشكلات الواقع وأعباء المستقبل.
والنظر إلى قائمة الطروحات العلمية التي قدمت في جامعات العالم الإسلامي في أقسام التاريخ والحضارة، بالإضافة إلى بحوث المؤرخين والمفكرين يؤكد هذه الحقيقة!!
لكن القضية بدأت تطرح نفسها علينا بعمق؛ بعد أن بطلت مقولة إقامة السور الحديدي الفكري بيننا وبين العالم الأوروبي؛ لحماية أنفسنا من أفكاره ومناهجه، فضلا على عبثية هذه المقولة في ظل الأساليب الحضارية المعاصرة؛ فإنها أيضا مقولة لا تخدمنا حتى ولو نجحنا في تطبيقها!!
إننا لابد أن نبحث في بنائنا الداخلي، وفي تطوير كياننا، وفي البحث عن وسائل القوة في داخلنا ومخارجنا، وفي فقه سنن الله الكونية والاجتماعية في التطور والبقاء، ولا سبيل لبقائنا في هذا العالم إلا عن هذا الطريق.
إن تشريحا قويا يجب أن نقوم به - بإخلاص وجرأة - لتجربتنا في التاريخ، وإننا يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا في الاعتراف بالحقيقة كما هي، وفي تقويم هذه الحقيقة على ضوء الثوابت الإلهية التي نؤمن بأنها (المطلق) ، و (المثل العليا الحضارية) لنا وللإنسانية.
وجدير بالذكر أنه لم يعد ممكنا كتابة التاريخ غير مرتبط بتفسيره، وذلك أن المنهج العلمي لكتابة التاريخ يحكم الوشائج بين قبول الواقعة رواية (نقلا) وقبولها دراية (عقلا) [1] .
وقد أصبح (فقه البيئة) الاجتماعية والنفسية والثقافية المسيطرة من أركان قبول الواقعة، والحكم عليها منذ عصر ابن خلدون، ومهما كان لتفسير التاريخ من كيان مستقل؛ فإن أجزاء كثيرة منه على الأقل - في معطياته الأولى - ستبقى مرتبطة بالوقائع التاريخية الجزئية لا تنفصل عنها ... [2] .
(1) يضرب الدكتور الجابري مثلا يستدل على استحالة إخضاع القرآن للدراسة التأويلية التطويرية لثبوت نسبته لله بخلاف غيره من الكتب؛ ذلك أن الصحابة المتقاتلين (جميعا) في صفين أجمعوا على الخضوع للمصحف الذي رفعه أنصار معاوية، فنسبة القرآن لله لا يرقى إليها شك.
(2) لكل عصر مناخه (أخلاقياته) وعاداته السائدة، فجيل الصحابة (رضوان الله عليهم) لا يمكن أن يتواطئوا على نص للرسول (عليه الصلاة والسلام) ، وهم الذين كانوا يبيعون الدنيا من أجل الدفاع عن دين الله، وهم يعلمون أن النار مصير من يكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم (!!) .