فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 95

وقد اتجه حفيد محمد الفاتح السلطان سليم إلى دخول الأقاليم العربية، والوقوف في وجه البرتغاليين الذين أرادوا حربا صليبية واضحة، وتعدوا من جهة الجنوب، فدخلوا عدن، واحتلوا مناطق الخليج العربي، كما استطاعوا بمساعدة الأحباش دخول البحر الأحمر، كما استطاع العثمانيون دحر الفرس الذين اتخذهم البرتغاليون مطية لهم.

وكما انتصر المماليك في معارك كثيرة برية وبحرية كان أشهرها (عين جالوت 658 هـ) ، كذلك فإن العثمانيين قد واجهوا الزحف الصليبي الذي كاد يدخل في أعماق الغرب والشرق الإسلامي، بعد إسقاطه لغرناطة سنة (897 هـ/ 1492 م) ، وقد زحف الصليبيون فعلًا على تونس والجزائر خلال القرنين العاشر والحادي عشر للهجرة، ولم يوقف هذا الزحف إلا ظهور القوة العثمانية.

ومن المعروف أن وجود الصليبين قد فرض على الدولة العثمانية أن تكون في حالة استعداد حربي دائم ... وحسبنا أن نذكر هنا بعض هذه الحروب؛ حتى لا يتعجل غير الموضوعيين في إصدار الأحكام الظالمة على هذه الدولة.

بالإضافة إلى سهرهم الدائم على الشواطئ الإسلامية في البحر الأبيض والأحمر والمحيط الأطلسي - وهو جهد استمر كثيرا - فقد واجه العثمانيون خلال وجودهم في القرن التاسع عشر الميلادي وحده (الثالث عشر الهجري) حملة نابليون بونابرت على مصر، وحملته على الشام، وحرب الصرب (1804 - 1817 م) ، والحرب مع روسية (1806 - 1812 م) ، وثورة اليونان (1812، 1829) ، ومعركة نافارين البحرية؛ التي اتحدت فيها إنجلترا وفرنسا وروسيا بروح صليبية (1827 م) - ضد الدولة العثمانية، ثم احتلال الجزائر (1830 م) ، وحملة إبراهيم باشا على الشام، بتشجيع من القوى الصليبية الفرنسية، ثم احتلال بريطانيا لعدن (1839 م) ، وحرب القرم (1853 - 1856 م) ، وحرب الجبل الأسود (1862 م) ، وحرب الصرب الثانية (1881 م) ، والحرب التركية الروسية (1878 م) ، واحتلال فرنسا لتونس (1881 م) وإنجلترا لمصر (1882 م) ، والحرب اليونانية (1897 م) ، واحتلال إيطاليا لليبيا (1911 م) ، ثم حرب البلقان (1912 م) [1] .

وهكذا - من خلال نموذج الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين - نستدل على نوعية العلاقة العثمانية الأوروبية، وأسلوب الصراع؛ الذي كان دائم الوجود بين الدولة العثمانية، وبين أوروبا التي لم تنس أن دولة آل عثمان هي التي أوقفت زحف الصليبيين على العالم الإسلامي بعد إسقاطهم الأندلس!!

لقد كان المجتمع الإسلامي في العهد العثماني مجتمعا إسلاميا جهاديا، شأنه شأن المجتمع الإسلامي في العصر المملوكي، وقد تفوق إسلاميا وكاد يسيطر على أوروبا؛ لولا ظهور الصفويين الشيعة؛ الذين حركتهم أوروبا الصليبية، فاشتبكوا مع العثمانيين وأوقفوهم، وبددوا طاقتهم في حروب داخلية!!

وكما خضع المماليك لعلماء الشريعة، وأطلقوا أيديهم، وقبلوا أن يحكم عليهم سلطان العلماء (العز بن عبد السلام) بغرامات وتضحيات كثيرة، كذلك كان العثمانيون يخضعون لعلماء الإسلام والشريعة، ممثلة في المفتين والقضاة والمحتسبين.

وكان المسلمون الخاضعون للدولة العثمانية -كما يقول العلامة الدكتور عمر فروخ - رحمه الله - لا يشكون شيئا يحملهم على النقمة؛ فإن الدولة العثمانية كانت دولة مسلمة ... وإذا كانت الدولة العثمانية قد مرت في أواخر أيامها بأحوال قاسية؛ فإن تلك الأحوال كانت خارجة على سيطرة الدولة العثمانية، وكانت قسوتها عامة في الترك والعرب؛ وفي المسلمين

(1) عمر فروخ: تجديد التاريخ في تعليله وتدوينه، دار الباحث بيروت، ص: 280، 281، بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت