فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 95

وغير المسلمين، ثم إن المسلمين كانوا يتحملون هذه الأحوال القاسية؛ لأنهم (أو لأن أسلافهم) كانوا قد تمتعوا بالأمجاد التي كانت للدولة العثمانية في تاريخها الطويل، ثم إن الدولة ليست في المغانم المادية فحسب؛ بل الدولة جو روحي أيضا يعيش فيه الفرد، وتعيش فيه الجماعة على رضا واطمئنان في حالة الأمن، وعلى أمل بالرضا والاطمئنان المقبلين في حالة البأس والشدة [1] .

وقد عاش النصارى كذلك حياة طيبة تحت ظل الشريعة والحكم العثماني، وما شكوا شيئا في الدولة لا في أيام الرخاء ولا في أيام الشدة؛ ففي أيام الرخاء كانوا يتمتعون بكل ما يتمتع به المسلمون من الحقوق، ثم يزيدون في أحيان كثيرة في الامتيازات على المسلمين، ولقد كان النصارى واليهود في الإمبراطورية العثمانية ملوك الاقتصاد والتجارة، وكان على المسلم أن يقوم بالخدمة العسكرية يقضي فيها السنين الطوال، وربما مات في حملة من الحملات على اليمن أو في معركة من المعارك مع الروس، فإذا أراد المسلم أن يعفى من الخدمة، فكان عليه أن يدفع البدل العسكري (خمسين ليرة عثمانية ذهبا) مرة أو مرتين أو أكثر، يقضي جانبا كبيرا من العمر في تحصيله وجمعه، فيمنعه ذلك كثيرا مما يريد من العلم والزواج، والعمل المنتج، أما غير المسلم فكان معفيا من الخدمة العسكرية [2] - لأسباب كثيرة أيضا -!!

ولأن الدولة العثمانية كانت -كما ذكرنا- دولة جهاد؛ فقد كان من طبيعة الأشياء أن تكون التنظيمات قائمة في الدولة على مضمون الجهاد في سبيل الله [3] ، ولم يكن غريبا أن تكون الصفة الملازمة لاسم السلطان العثماني هي صفة (الغازي) [4] ... وكانت الشريعة تحكم مجتمعا جادا لن تتفش فيه صور التحلل والابتذال والانحلال الأخلاقي؛ التي عرفت في بعض المجتمعات.

لقد كانت أوروبا النصرانية بدولها المختلفة تقف في وجه الدولة العثمانية المسلمة، وتحرص على إخراجها من أوروبا الشرقية، واقتطاع أجزائها، وإذا كانت دول أوروبا تختلف فيما بينها، ويتناقض بعضها مع بعض؛ في سبيل امتداد نفوذها، واقتطاع أجزاء من الدولة العثمانية، وأخذها الخيرات والأسلاب؛ إلا أنها كانت تنسى كل خلافاتها وتتفق في وقوفها في وجه العثمانيين [5] .

وقد حاول السلطان العظيم (عبد الحميد) في مستهل القرن العشرين للميلاد (1293/ 1326 هـ) أن يقوم بعدد كبير من الإصلاحات، ورفع شعار (يا مسلمي العالم اتحدوا) ، وأقام سكة حديد الحجاز، وحاول تحريك الأمة علميا، وجمع العلماء حوله ... لولا أن القوى العالمية وقفت ضده.

ومع ذلك كله، فثمة ملاحظة يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تقويم العثمانيين، بالإضافة إلى الملاحظة الخاصة بطبيعتهم العسكرية؛ نتيجة ظهورهم في عصور هجوم أوروبي على العالم الإسلامي، بعد سقوط الأندلس، واضطرارهم للتصدي

(1) عمر فروخ: مرجع سابق، ص: 282.

(2) المرجع السابق.

(3) بسام العسلي: سليمان القانوني، ص: 8، دار النفائس، بيروت، ط / 1، (1406 هـ) .

(4) المرجع السابق، ص: 7.

(5) إسماعيل ياغي، ومحمود شاكر: مرجع سابق، ص: 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت