هناك سلطان غيره، فوافقهم، وخاصة بعد أن ضغط عليه الشيخ/ أبو السعود الجارحي، والذي أتى بالمصحف الشريف وحلف الأمراء عليه، على أنه إذا تسلطن الأمير طومان باي لا يغدرونه، ولا يخامرون عليه، ولا يطالبونه بنفقته، وينتهون عن مظالم المسلمين، فحلفوا على ذلك، وانتهى الأمر على سلطنة طومان باي على ذلك [1] .
وقد بقي الأمر بين طومان باي والعلماء على ذلك؛ لكن عهد طومان باي لم يستمر إلا سنة واحدة، فقد استولى العثمانيون على مصر سنة (923 هـ / 1517 م) ، وحملوا الراية ...
لكن العلماء - على أية حال وكما تدلنا الوقائع السابقة - كان لهم وجودهم الشرعي، وقد أدوا واجبهم في صياغة المجتمع صياغة إسلامية.
وقد كان العثمانيون -في أصلهم- قبائل تركية فرت من بلاد آسيا الوسطى أمام الزحف المغولي، وقد أسلم جدهم (عثمان بن طغرل) ، واستوطن وأتباعه بلاد الأناضول، ومن ثم نجح في تشكيل دولة تنسب إليه، فاتخذ مدينة (قره حصار) قاعدة له، واستقل بعد مداهمة المغول للسلاجقة، وأصبح ملاذا لكثير من المسلمين الذين يفرون من وجه التتار، وخاصة أنه أول من اعتنق الإسلام من أمراء قومه؛ ولهذا انتسب إليه الخلفاء من بعده؛ دلالة على ارتباطهم بالإسلام وليس بالعصبية، وتوفى في سنة (727 هـ) ، وكان خلفاؤه من بعده قد أخذوا على عاتقهم جهاد البيزنطيين، وتقدم العثمانيون في أوروبا وفتحوا مناطق واسعة، وأخيرا تمكن محمد الثاني من فتح مدينة القسطنطينية عام (857 هـ) ، وغدا اسمها (إسلام بول) ، ويطلق عليه (استانبول) [2] .
ولم يكن انتصار الغازي محمد الثاني في القسطنطينية هو أول نصر كبير يحرزه آل عثمان؛ ولكن (الرمز) أو القيمة المعنوية لهذا الانتصار قد طغت على كل ما عدها من القيم.
لقد أحرز الفاتح أول انتصار وأضخمها على ضفاف البسفور، وهو ابن اثنين وعشرين عاما (857 هـ- 1453 م) ، فلم يداخله الغرور لما أحرزه، ولم يأخذه العجب بما أنجزه وحققه، فمضى للصلاة في مسجد (أياصوفيا) شاكرا لله على ما منحه من النعمة، وأطلق على المدينة المحررة فورا اسم مدينة الإسلام (إسلام بول) ، وأسرع إلى موضع استشهاد الصحابي (أبي أيوب الأنصاري) ؛ الذي استشهد في حصار القسطنطينية أيام معاوية بن أبي سفيان (سنة 52 هـ) ، فأقام بجواره مسجدا مبرهنا على أن الفتح العظيم لم يكن إلا امتدادا لجهاد العرب المسلمين [3] ، من أجل رفع راية الإسلام والمسلمين.
وعرف الفاتح أن هذا النصر لابد وأن يستثير حقد الحاقدين من الفرنج والصليبيين، فمضى مجاهدا في سبيل الله، محتسبا الأجر والثواب على الله، فأتعب الدنيا وأتعبته حتى خرج من الدنيا مخلفا للمسلمين فخر الدنيا وعزة الإسلام [4] .
(1) المكان السابق.
(2) إسماعيل ياغي، ومحمود شاكر: تاريخ العالم الإسلامي الحديث والمعاصر 1/ 151،152، ط دار المريخ - الرياض (1414 هـ) .
(3) من المعروف شرعا أن بناء المساجد على القبور مخالف للهدى النبوي، ويجب الإقلاع عنه.
(4) بسام العسلي: الفاتح القائد، ص: 11، 12، دار النفائس، ط - 1406 هـ).