والقضاة الأربعة ومشايخ العلم، واستفتاهم في ذلك، وقال: أخرج أنا والناس إلى الصحراء ونستسقي هناك، فعارضه أحد علماء الدين في ذلك، وقال له: إن ذلك ليس من فعل السلف، وإنما ذلك من سوء أفعال الناس وفتنهم؛ حيث يبعثه الله تعالى عقوبة لهم على ذلك [1] .
وقالوا للسلطان: إنه لابد من أن يمنع المظالم التي كثرت في البلاد، ويبطل المكوس، ويمنع خروج النساء وهن متزينات إلى الأسواق، كما يأمر الناس بكثرة الدعاء والاستغفار، وانفض المجلس على ذلك، وعمل السلطان بكل ما قرره معهم.
وقد كان السلطان يستشيرهم في كثير من أموره التي يعجز أن يجد حلا فيها؛ حيث يجد عندهم الحل الكافي والجواب الشافي، كما فعل عند استشارتهم في أمر زكاة الأموال الظاهرة والباطنة للناس.
وكان السلطان الظاهر جقمق (842 - 857 هـ) يكثر من فعل الخير والبر، شديد التدين، وقد استبشر أكثر الصالحين بسلطنته ... ولقي في عهده علماء الدين كل حظوة وتقدير واهتمام، وكان يسعى لتطييب خاطرهم، ويرضيهم بشتى الوسائل؛ فمن ذلك ما وقع بين قاضي القضاة سعد بن الدسيري، وبين قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر من تشاجر، وما أدى إليه ذلك التشاجر من عزل القاضي ابن حجر نفسه عن القضاء، فسعى السلطان إلى تطييب خاطره، فأعاده إلى منصب القضاء، وخلع عليه وأكرمه.
وكان يهتم بالعلم والعلماء، ويحضر الحفلات التي يقومون بها من أجل ذلك، ومن ذلك حضوره لحفلة قام بها شهاب الدين بن حجر؛ بسبب انتهائه من تأليف كتاب (فتح الباري في شرح البخاري) [2] .
وقد كان أكثر السلاطين المماليك يخضعون لشروط بعض القضاة، مما يدل على مدى المكانة الكبيرة التي وصلوا إليها، لدرجة أنهم وصلوا إلى الاشتراط على السلاطين [3] ، وفي عهد السلطان قانصوه الغوري (ت 922 هـ) عارض علماء الدين رغبة السلطان في أخذ أموال الأوقاف والنفقة بها على الأمراء والمماليك.
وفي عهد السلطان الغوري -أيضا- حدثت كائنة عجيبة لعلماء الدين عامة والقضاة بشكل خاص؛ وهي أنهم عزلوا جميعا بسبب معارضتهم لرأي السلطان في مسألة شرعية، فغضب السلطان منهم، وعزلهم جميعا في وقت واحد، حتى أن مصر بقيت حوالي خمسة عشر يوما لم يعقد فيها نكاح، ولا وقع فيها أي حكم من أحكام الشريعة [4] .
وتدلنا تلك الحادثة على مدى جرأة علماء الدين، وعلى مدى قوتهم في مواجهة الظلم والخطأ؛ حتى ولو كان ذلك سببا لعزلهم وإقصائهم عن وظائفهم.
ولم ينقص ذلك كله من مدى عزمهم وقوتهم؛ بل على العكس زاد من قوتهم ومقدرتهم، وزادت قيمتهم عند الناس والأمراء، فقد كان لهم الدور الكبير والفعال في تولي السلطان طومان باي، فعندما قتل السلطان الغوري عام (923 هـ- 1516 م) وقع اختيار الأمراء على سلطنته فامتنع من ذلك غاية الامتناع، ولكن الأمراء ألحوا عليه وأجبروه بحجة أنه ليس
(1) المقريزي: السلوك 4/ 2، ص: 1021، نقلا عن شريفة المنديل: مرجع سابق، ص: 127.
(2) ابن إياس المصدر السابق 2/ 207، وشريفة المنديل، ص: 130.
(3) شريفة المنديل: مرجع سابق، ص 131.
(4) المرجع السابق، ص: 138، 139.