فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 95

لكن لما طال الأمر اتفقوا مع السلطان بأن يؤخذ من مال الأوقاف وخراج الأراضي سنة كاملة فقط وتبقى الأوقاف على حالها، وهذا يعتبر انتصارا شبه كامل لاحتجاج علماء الدين، كما كان لعلماء الدين دور كبير في الأزمات وعند وقوع البلاد [1] .

وقد حظي علماء الدين بمكانة كبيرة في عهد السلطان المملوكي الظاهر برقوق (784 - 791 هـ) ، فقد كان يوقرهم ويحبهم، ويقوم للفقهاء إذا دخلوا عليه ... وحتى هؤلاء الذين أخطأ في حقهم؛ مثل الشيخ/ شهاب الدين الشافعي ... الذي ما أن وصل إلى علمه أنه كثير الورع والزهد، حتى أرسل خلفه واعتذر إليه، ومن ثم أعاده إلى بلده مكرما [2] .

وفي عهد السلطان المملوكي المؤيد شيخ (815 - 824 هـ) ارتفعت مكانة العلماء؛ نظرا لأن السلطان نفسه كان متدينا، وكان يحب الدين، وينقاد للشرع في جميع أموره وأحواله، يدلنا على ذلك أن السلطان نفسه كان يخرج وقت الأزمات واشتداد البلاء، وهو لابس جبة صوف بيضاء، وعلى رأسه عمامة صغيرة متجردا من جميع ملابسه السلطانية الفاخرة، يخرج وبصحبته الخليفة والقضاة وسائر علماء الدين، ثم يصلي من غير سجادة، ويمرغ وجهه في التراب ويبكي تضرعا لله تعالى [3] .

وقد كان للعلماء كلمة مسموعة وأمر نافذ لدى السلطان عند استشارته لهم في أي أمر، فعندما اجتمع السلطان بهم عام (821 هـ/ 1418 م) واستشارهم في أمر قتال يوسف، أفتوا بجواز قتاله؛ نتيجة لسوء أفعاله وسوء سيرته، فما كان من السلطان إلا أن أسرع في تجهيز العسكر تنفيذا لذلك [4] ، وعندما رفض القاضي جلال الدين البلقيني أن ينفذ ما أراده السلطان من الخطيب عند ذكر اسمه بالدعاء في الخطبة أن يهبط درجة؛ حتى يكون ذكر اسم الله تعالى ورسوله في مكان أعلى من المكان الذي ذكر فيه اسمه، لم يعارضه في ذلك، على الرغم من أن قصد السلطان من ذلك هو التواضع والخضوع لله تعالى ورسوله الكريم، كما أن بعض الجوامع قد فعلت ذلك مثل جامع الأزهر، وجامع ابن طولون [5] ، مما يدل على مدى قوة كلمة علماء الدين ونفاذها حتى على السلاطين أنفسهم، وتوجيههم إياهم إذا أخطئوا في الاجتهاد.

كان السلطان الأشرف برسباي (825 - 841 هـ) منقادا للشرع يحب الفقهاء ويقربهم ... وكانت له ثقة في القاضي عبد الله بن عبد الباسط، فكان منقادا له كما ينقاد الطفل إلى أبيه ... وله كلمة مسموعة لديه، يدلنا على ذلك أنه عندما تضرر الناس بسبب أمر السلطان بعدم زراعة قصب السكر إلا للسلطان فقط، تكلم معه القاضي عبد الله بن عبد الباسط في ذلك فعندئذ أذن للناس في زراعته [6] .

وكان لعلماء الدين دورهم في توجيه السلطان إذا أخطأ في الاجتهاد، فمن ذلك أنه وقع الطاعون في الديار المصرية، والذي سمي فيما بعد (بالفصل الكبير) ؛ لأنه انتشر في جميع نواحي بلاد العالم، فلما رأى السلطان ذلك اجتمع بالخليفة

(1) شريفة المنديل: الحركات الداخلية في الدولة المملوكية الثانية، رسالة ماجستير ـ-كلية الآداب للبنات في الرياض (1409 هـ) ص: 117.

(2) المرجع السابق، ص: 120.

(3) ابن إياس محمد بن أحمد: بدائع الزهور في وقائع الدهور 2/ 46، طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب (1403 هـ) .

(4) المصدر السابق 2/ 39 - 40، وتنظر: شريفة المنديل: مرجع سابق، ص: 125.

(5) المرجعين السابقين.

(6) ابن إياس: بدائع الزهور في وقائع الدهور، ص: 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت