فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 95

من أن الحرب أنهكته؛ فقد دبر الأموال لتشييد المباني النفيسة الكثيرة في مكة والمدينة والقدس، وجدد في القاهرة قلعة صلاح الدين والأزهر، وشيد نزلا، وبنى داخل العاصمة مسجدا [1] .

إن ابن بطوطة (ت 979 هـ/ 1577 م) - مع ابن خلدون (ت 808 هـ) ، وابن الخطيب (776 هـ / 1374 م) - من هؤلاء الذين نجد عندهم وصفا للحياة الاجتماعية في هذين العصرين المملوكي والتركي ... وعندما نتتبع وصف هؤلاء وغيرهم؛ فسوف نجد الشريعة الإسلامية هي المهيمنة على روح المجتمع وسلوكياته، مع وجود أخطأ بشرية، ولا سيما في مستوى العسكر والسياسة!! و {ديورانت} - وهو يحلل لنا هذين العصرين - نجده أكثر دقة وإنصافا من أكثر المؤرخين المسلمين ... فقد زار ابن بطوطة أكبر الحكام المسلمين في عصره، والتقى بالعلماء أيضا، وحين عدد أعظم الملوك في عصره حصرهم في سبعة ملوك، ذلك أن منهم ستة من المسلمين، وواحدا صينيا [2] ، وأما العلماء في هذا العصر فقد كانوا كثيرين؛ مثل الشعراء، وكانوا يكتبون باللغة العربية، كما جمعوا في كثير من الأحوال بين الدرس والتأليف، وبين النشاط السياسي والإداري [3] ؛ وكان أعظم الكتاب إنتاجا في التاريخ الطبيعي من المسلمين خلال القرنين السابع والثامن الهجري، وإن الكتاب العظيم (حياة الحيوان) الذي ألفه محمد الدميرى (ت 808 هـ / 1405 م) لمن أقوى الشواهد على هذه الحقيقة، كما كانت المستشفيات كثيرة في العالم الإسلامي [4] .

وقد كانت الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع والقضاء، وكان الفقهاء هم القائمون على حراستها والاستنباط منها، ويفسر لنا الأستاذ/ حنفي محمود خطاب ما كان لعلماء الدين من سطوة ونفوذ في الدولة المملوكية بصفة عامة فيقول: {إن الدين كان منبع القانون بين الناس، وكان سلاطين المماليك لا يعرفون أحكام الشريعة، أو وسائل تطبيق تلك الأحكام؛ لأنهم عاشوا عيشة عسكرية منذ نشأتهم، ولم يعرفوا من شؤون الدين سوى ما تلقنوه من مبادئه الأولى في شبابهم الأول بثكنات القلعة وطباقها، وكان من الطبيعي أن يترك المماليك لعلماء الدين تلك الناحية من شؤون الدولة} [5] . وقد برز من علماء الإسلام في هذا العصر كثيرون على رأسهم شيخ الإسلام/ عز الدين بن عبد السلام (660 هـ) ، وتقي الدين عبد الوهاب بن نبت الأعز (قاضي قضاة الشافعية 654 هـ) ، وصاحب مواقف مشهورة، وشيخ الإسلام الإمام/ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، وهو أشهر من أن نقف عنده!!

وكانت مكانة علماء الإسلام بارزة على المستويين الشعبي والرسمي، فلم تكن تتم بيعة الخليفة أو السلطان إلا بحضورهم.

وقد وقف العلماء وقفات مشرفة وجريئة ضد السلاطين، ورفضوا الإفتاء على هواهم ورغباتهم، كما فعلوا مع السلطان الظاهر برقوق؛ عندما شكا لهم بأن الخزائن خالية من الأموال، والعدو (المغول) زاحف على البلاد، وأنه يريد أخذ نفقة العسكر من مال الأوقاف المرصدة للجوامع والمدارس، فلم يوافقوا على ذلك؛ بل أكثر من ذلك أغلظوا على السلطان القول؛

(1) ول ديورانت: قصة الحضارة 26/ 52، 53، 54.

(2) المرجع السابق 25/ 74، 75.

(3) المكان السابق.

(4) المكان السابق.

(5) حنفي خطاب: الحركات الداخلية في الدولة المملوكية الأولى، رسالة ماجستير (1943 م) جامعة القاهرة، ص: 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت