فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 95

وحين قرأت للصديق الكبير الدكتور/ عماد الدين خليل حديثًا عن المدخل إلى (( إسلامية المعرفة ) ) [1] ، ويذكر فيه أن (( المحور التنظيري ) )هو المدخل الضروري للمحور التطبيقي ... خطر لي أنه يقصد بالمحور التنظيري: ضرورة الوعي العميق بالأصول الكلية والمعالم العامة التي تمثل جوهر الرؤية الإسلامية للمعرفة بشتى فروعها ... لكني عندما واصلت للتعرف على وجهة نظره وجدته يكاد يقترب من بعض العناصر التي لا يمكن الحديث عنها إلا بعد وجود مستوى معين من التطبيق. إنه يطالب هذا المحور التنظيري بأن يقدم للمحور التطبيقي (( تعريف المصطلح، وضروراته الملحة، وتصنيف الحلقات الأساسية للمعرفة ) (( وكذلك يمكن أن يتولى المحور التنظيري تقديم وتصنيف المقترحات الضرورية التي تعين على تنفيذ العلمية وتحويلها إلى أمر واقع ذي فاعليه مؤكدة، وقدرة -في الوقت نفسه- على الاستمرار والانتشار ) )...

وما يقوله الدكتور/ عماد الدين خليل صحيح تمامًا في بعض الفروع المعرفية التي تتمتع بنماذج تطبيقية قوية في تاريخنا، وذلك مثل المجالات الاجتماعية أو الفلسفة أو الاقتصادية ... بيد أن الأمر في الأدب -بأجناسه الحديثة من رواية وقصة، وأقصوصة، ومسرحية- لا يتمتع بهذا الرصيد، وما قدم في القرون الأخيرة من أعمال تطبيقية تعبر عن التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة يعد قليلا جدًا؛ ولذا فنحن في حاجة إلى تعميق؛ تكتمل له الأدوات الفنية في الأجناس الأدبية المختلفة حتى يصبح تنظيرنا قريبا من الكمال.

وما يقال في الأدب في علوم الاقتصاد والاجتماع وشتى المعارف؛ شريطة أن نكون واعين بقسماتنا الخاصة وبفروقنا الجوهرية عن الحضارة الغربية؛ من إيمان بالآخرة مع الدنيا، وبالله مع الإنسان، وبالغيب مع المحسوس؛ وإذا كان العلمانيون يعمدون -عن جهل أحيانا، ومكر في أغلب الأحايين- إلى إنكار (( الله ) (( الآخرة ) )، وإلى إذابة الجسور بين الأسطورة والغيب تشويها للغيب من جانب، وتعميقا للدنيوية الحسية الرافضة للدين من جانب ثان، وتحطيمها لمعنى الوجود الإنساني المتميز المسؤول من جانب آخر؛ فإننا يجب أن نقاومهم بالإبداع الذي يترجم رؤيتنا الإسلامية ... تلك الرؤية التي تقدم العلاقة الموضوعية الكريمة المتوازنة التي تربط الإنسان بالله، والروح بالمادة، والمحسوس بالغيبي، والدنيا بالآخرة ... ومن ثم تدين الرؤية الأحادية والتمزيقية والمادية العمياء للإنسان والكون!!

والحق أن منطق الإسلام يدحض هذا كله، ويؤكد المعنى والقيمة المسؤولية الحضارية والإنسانية ... ويتضح هذا فيما ورد في كتاب الله:

(( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) ) [الأنبياء: 16] .

(( ربنا ما خلقت هذا باطلًا ) ) [آل عمران: 191] .

(1) انظر: عماد الدين خليل: المدخل إلى إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ص: 11، وما بعدها، الطبعة الثالثة (1412 هـ- 1992 م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت