فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 95

ولن يتغير الفكر الأوروبي في تعامله مع الحضارة الإسلامية إلا يوم يظهر منهج جديد فرض على العقل الأوروبي احترامه ... منهج بعيد عن الانهزامية الدونية، والتسول، باسم الحوار، أصيل في انتمائه للإسلام، منفتح في تعامله مع الإنسان والكون والحياة، ومتفاعلًا متوازنًا مع كل الحقائق العلمية والنتاج الحضاري لها ...

في الآداب والعلوم والفنون -جميعها - يكون التطبيق قبل التنظير التركيبي!!

فالتطبيق الذي يستلهم الجذور والأسس الكلية- بوعي أو من دون وعي، شعوري أو غير شعوري- يسبق مرحلة التنظير بالمعنى العلمي المعروف للتنظير ... من هنا لا بد أن يتحرك عقلنا الأدبي والعلمي إلى الأمام في مجال الإبداع ... وصولًا إلى التنظير الكامل من خلال محاولات التطبيق المتنامية.

وعندما نتحدث عن ضرورة وجود رؤية أدبية وعلمية إنسانية ملتزمة بمنهج الإسلام، وبالانتماء للوعاء العربي الحضاري الإسلامي؛ تتحاور مع الرؤية الأوروبية العلمية والفلسفة المستقاة من الفكر الحر (الليبرالي) ، والرأسمالي المنطلق من النظرة الأوروبية للكون والإنسان والحياة ... عندما نتحدث عن ضرورة مثل هذه الرؤية، فيجب أن يكون واضحا في أذهاننا أن الأصول الكبرى، والفقه الواعي أو الفطري بهذه الأصول لا يكفلان إيجاد تصور إبداعي تنظيري كامل المعالم والقسمات- دون الفعالية الإنسانية - مع أنهما قادران فعلًا على تحريك السلوك الفري والاجتماعي في الاتجاه المنشود!!

لقد بقى المسلمون نحو قرن بعد ظهور الإسلام يعملون على نشر الإسلام، وعلى نشر اللغة العربية؛ منطلقين من الأصول، ومن الوعي برسالتهم، وكانوا في سلوكهم النموذج الأصلي والأبقى لهذه الأصول ... لكنهم لم يدخلوا ميادين التنظير والتقنين إلا بعد أن قدموا نماذج تطبيقية عملية .. لقد كان عدل القضاة من خلال آلياته ووسائله التنفيذية أسبق من التنظير للقضاء، وكان تطبيق الشورى أسبق من التفكير في وضع (( النظريات السياسية الإسلامية ) )في فكر الماوردي أو غيره. وكان تطبيقهم الاقتصاد الإسلامي في حياتهم الفردية والاجتماعية -اعتمادا على الأصول- أسبق من التفكير في إنشاء نظام (( الخراج ) )أو غيره.

إن الأصول تشكل الوعي وتنقي الفطرة وتقدم الاتجاه العام، ولكنها لا تسمح بتشكيل (( النظرية ) )إلا بعد مزج الأصول بعالم الإنسان الواقعي -في حالاته المختلفة- وبعد إعمال العقل في ضوء التجارب البشرية؛ وصولا إلى إيجاد التنظيري الذي قد يبقى آمادًا متطاولة قابلا للمراجعة والإخصاب!! ولا يمكن أن يكون التنظير بعيدًا من التجربة الإنسانية والإعمال العقلي إلا أريد به -وله- أن يكون مجرد قواعد تربوية أو وعظية تفتقد الروح التركيبة والنماذج العملية والفنية التي تعطي النظرية للروح، والمصداقية، والقابلية للاستمرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت