فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 95

الثالث الهجري- خطوة غير حكيمة، بل غير منتظمة انتظامًا ينسجم مع البناء العالم للرؤية والفعالية الإسلامية، فوقع الارتباك في وقت كان من الممكن أن يكون بداية انطلاق عالمي إسلامي جديد.

وقد كانت المنهجية السليمة كفيلة - بعد هذين القرنين- بإغناء الحياة الإسلامية في كل مجالات الإبداع الإنسانية، الثقافية، والعلمية؛ وكان كل قرن قادرًا على أن يندفع فيه المسمون بقدر من الفعالية؛ يمكنهم من أن يسبقوا كل الحضارات إلى عصر الفضاء والاتصالات!!

إننا لسنا إزاء محاكمة لمسيرتنا الحضارية، لكننا - حتى في هذه الأيام- مطالبون باكتشاف عوامل الخلل في هذا التاريخ، انطلاقا من أننا مؤمنون بأهلية الإسلام الدائمة للفعل الحضاري، وصلاحيته لقيادة كل زمان ومكان؛ بعد أن ختم الله به الرسالات، وجعله حجته الباقية، وكلمته الخاتمة إلى يوم القيامة. وأنه لضروري أن تعتدل المعادلات كلها في أيدينا، وأن تتوازن رؤانا بعد أن وجدنا أنفسنا في هذا المحيط الحضاري المتدني.

وإذا كنا نأخذ أوروبا تركيزها على الفعالية المادية، وإهمالها للجوانب الإنسانية والأخلاقية، فإننا يجب أن نأخذ على أنفسنا تقصيرنا الشديد في الفعالية المادية، واستهلاكنا لطاقتنا في مجالات كلامية عقدية أو سياسية ... لقد اختل الميزان في أيدينا، كما اختل في أيديهم ... لقد شد كل منا الحبل بطريقة خطأ، وكانت مسيرتنا التي انتهت بنا إلى واقعنا المعاصر أكبر حاجز حال دون تفهمهم لنا ... فما كان ممكنا أن يتواضع الإنجليز ليفهموا ما عند المسلمين الهنود من أفكار عظيمة، مع أنهم يسوقون هؤلاء المسلمين الهنود سوق الأنعام، وما كان ممكنا للحملة الفرنسية التي جاءت بالمطبعة، وبالسلاح الحديث، أن يؤمن رجالها بأن لدى هؤلاء المصريين المتخلفين دينا يحمل قيما حضارية هم أحوج الناس إليها ... إن الموقعين المختفين للسيد المستعمر وللبعد المقهور لا يسمحان بالتحاور الفكري ولا بالفعالية الحضارية، فإن القوة تعمي عن الحق، ومن هنا انتهت المدنية الأوروبية إلى نجاحات كبيرة في مجال العلم والتقنية؛ مقطوعة عن خشية الله، وعن احترام إنسانية الإنسان؛ وعن مجرد التفكير في التعاون مع الآخرين الضعفاء، على الخير الإنساني العالم!!

وإذا كان بعض المفكرين يرون أنه لولا الإسلام، الذي حول الطبيعة من معبود يخشى منه ويسجد الناس لشمسه ونجومه؛ إلى طبيعة مأنوسة موضوعة للبحث والتشريح والتسخير .. لولا هذا الإسلام - بهذا المنهج الجديد- لبقيت الحضارة الإنسانية الوثنية والكنيسة التي تحارب العلم هي المسيطرة على العالم ... إذا كان هذا الذي يراه بعض المفكرين صحيحً- وهو صحيح- فإن غيبة المنهج الإسلامي الرشيد في البحث والتأصيل، بالإضافة إلى أوضاع المسلمين المتخلفة في القرون الثلاثة الأخيرة قد أعطت أوروبا الفرصة لكي تؤمن بأنها قامت على سواعد أبنائها وحدهم، وبأنه لا يمكنها أن تكون قد استفادت من هؤلاء المسلمين المتخلفين!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت