فالاعتماد على الله والتوكل عليه -بمعناهما الحق- يوجبان فقه المفاتيح والأساليب والوسائل التي خلقها الله -سبحانه- وجعلها قاسمًا مشتركًا بين كل الناس، ومعالم تدلهم على وسائل البقاء والتقدم والتعمير
والقصص القرآني يعطينا أيضًا -في حركتنا التاريخية- ذاكرة ضرورية للحاضر والمستقبل إنه (الحاسوب) الذي يغذي الحاضر بالمعلومات الصحيحة المعتمدة على تجارب صادقة، ومن ثم يمكن استخلاص الطرائق الصحيحة لحركة المستقبل!!
والفيصل الأساسي بيننا وبين الماديين أننا نمزج بين الماضي والحاضر والمستقبل، ونراها نهرًا واحدا دافقا، يصعب وضع حواجز بين تياراته وأمواجه.
فالزمان كتلة واحدة، ومصطلحاتنا البشرية المعروفة: الماضي، والحاضر، والمستقبل مجرد مصطلحات نسبية معرفية، لكن سرعة الأمواج وقوتها تحول دون إقامة حواجز سميكة بينها؛ كما أن هذه الحواجز خاصة بنا نحن البشر، ولكنها بالنسبة لعلم الله لا قيمة لها، فالثلاثية الزمانية عنده -سبحانه وتعالى - سواء ومن هنا الحديث في القرآن الكريم عن محتويات الجنة، وعن تنعم المؤمنين فيها، وكأنه رسم للوحة مرئية ومشاهدة، لا تفصلنا عنها هذه الآلاف من السنين.
ونحن نلمح هذا المعنى في أي حديث قرآني عن الغيب، فهو حاضر في تفاصيله ودقائقه تمامًا، كما أن هذا الغيب يجب أن يكون حاضرًا في وعي المسلم ووجدانه حضورا يصل إلى درجة اليقين الكامل، وإلا فقد الإيمان أول شروطه.
إن الإيمان بالغيب، واندماج هذا الغيب، في رحلة الزمان كلها؛ لا بد أن يكون مرتبطًا بالماضي والحاضر والمستقبل، وكأنه جزء لا ينفصل عنها إلا بمقدار الحساب والجزاء (في يوم الفصل - يوم القيامة) ؛ هذا الأيمان هو الفيصل المكين بين المؤمنين والماديين الدنيويين (العلمانيين)
وهذا الغيب شيء مختلف تماما عن الأسطورة (الميثولوجيا) التي يحاول العلمانيون إضافتها إلى الغيب بينما هي وهم وخرافة، وليست كالغيب مستقبلا محدد المعالم ينقله إلينا من يحيط بكل شيء علمًا، ويملك الماضي والمستقبل، ويستحيل عليه الكذب أو إخلاف الميعاد!!
لقد ممكنا -عندما كانت المنهجية واضحة- أن يتم استيعاب أسلافنا للفقه الحضاري والعلمي للقرآن الكريم علميا خلال قرنين من الزمان، بعد ظهور الإسلام؛ حيث تمكنت قواعد الدعوة في الأماكن التي ساح الإسلام فيها وقد كنا أهلا لأن نجد على مشارف القرن الثالث الهجري نظريات سياسية، واقتصادية، واجتماعية، ومفاهيم ومصطلحات محددة نقتحم بها عالم الحضارات الموجودة، ونقود أهلها بها إلى الحضارة الإسلامية ...
لكن تضخم (( علم الكلام ) )وما أفرزه من تيارات جدلية عقيمة كان على حساب الفعالية الإسلامية في علوم الحياة الأخرى، وأيضا جاء الاتجاه إلى ترجمة علوم اليونان -بهذه الطريقة العشوائية، التي طبقها الخليفة المأمون، على مشارف القرن