وكما يخطئ بعض المسلمين في الفروق بين المستويين؛ فيتصورون الاقتصاد الإسلامي مجرد الابتعاد عن الربا والاحتكار والغش؛ والأخذ بالمضاربة، والمرابحة، والمتاجرة ويتصورون الأدب مجرد مواعظ أو ضوابط أخلاقية؛
كذلك يخطئ أعداء المسلمين حين يؤمنون بالتغير الدائم والحركة المستمرة، دون ثوابت، أو أصول، أو معالم؛ تضع الإشارات الكبرى، وتوجه المسيرة البشرية في كل عصور إلى الطريق القويم الذي يجب أن يتجهوا إليه، وأن يبدعوا فيه؛ مدركين ما ينبغي لهم وما لا ينبغي؛ مما قد يعجز عقولهم عن إدراكه، ومما قد يدركونه في مرحلة، بينما يغيب عنهم في مرحلة أخرى؛ ولهذا زودتهم العناية الإلهية به من خلال الوحي الصحيح، وهم بعد ذلك مطالبون بالإبداع في مجال التطبيق، معتمدين على عقولهم وطاقاتهم، مستنيرين بالثوابت والأصول، مستجيبين -في الوقت نفسه- لتوجيه الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (( أنتم أعلم بأمور دينكم ) )، مؤمنين بأن المعادلة بين التنظير والتطبيق لتحقيق الفعالية معادلة واضحة، لكن بعض المسلمين أضاعوا معالمها بين إفراط وتفريط!!
لقد درج كثير من المسلمين على معالجة تفسير القرآن وفقهه بطريقة فرعية وحرفية وجزئية ... دون أن يتعاملوا معه بطريقة كلية شمولية، يستمدون منه القيم القرآنية المطلقة، والقوانين الثابتة ومفاتيح التعامل مع سنن الله الكونية والاجتماعية .... ومن ثم يستخلصون الإضافات الصالحة لتطوير التنظير!! ويا للأسف كان من نتيجة هذا أن انحرفت مسيرة المسلمين عن المنهج القرآني المعرفي والتجريبي؛ الجامع بين العقلية والمادية الحسية في إطار محكم ...
وسيطر على فكرهم -في كثير من العصور- المنهاج اليوناني، ولا سيما بعد أن ترجمت كتب الإغريق بمؤازرة الدولة العباسية (الخليفة المأمون) في القرن الثالث الهجري. مع أن العكس -أي ترجمة المنهجية المعرفية القرآنية إلى اليونانية وغيرها- كان هو الصحيح، فنحن المسلمين المنطلقين من القرآن الكريم أقوم فكرا، وأنقى تصورا، وأزكى عقيدة، وأقدر على قدر الله حق قدره، واحترام السنن الكونية والتاريخية؛ لو بقي نهرنا الفكري سليمًا لا يعكر صفوه شوائب وثنية أو عقلية منحرفة!!
إن التصور القرآني للكون والإنسان والحياة هو أصدق تصور ظهر في التاريخ بهذا الشمول، وهذا التوازن ... إنه الدليل الأكبر على عظمة الخالق الذي يتطابق كتابة المسطور مع كونه المنظور!!
ومن المعروف أن قدرًا كبيرا من موضوعات القرآن وقضاياه يعالج ما يعرف بالقصص القرآني، أو تاريخ الأنبياء وحضاراتهم، وتاريخ الأقوام الماضين، من مندثرين، وممن بقيت لهم امتدادات وشواهد، وهذه المعالجة لم تلق هذا الاهتمام ليكون القرآن كتاب تاريخ، ولا لإثبات إعجاز القرآن التاريخي فحسب؛ بل قصد بها -إلى جانب ذلك- أن يستوعب المسلمون سنن الله، وأن يلتزموها، وألا يحاولوا القفز من فوقها، وأن يدركوا أن تمكينهم في الأرض مشروط بالفقه بهذه السنن والتزامها في الحركة التاريخية والابتعاد عن التواكلية والعفوية، أو ما يسمى بإسقاط التدبير!!