(( لو أردنا أن نتخذ لهوًا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين * بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ) ) [الأنبياء: 17 - 18] .
لكن هذا المنهج الإسلامي (الحضاري الإنساني الشمولي) يحتاج إلى فاعليتنا وجهادنا وإبداعنا ... !!
فهل يترجم المسلمون تصورهم إلى واقع عملي كما ترجم الماديون تصورهم إلى واقع عملي، سيطروا بأدواته على عقول الناس، وخدعوهم عن (( الحق الكامل ) )و (( الميزان الواحد ) )والمنهاج العلمي (العقلي التجريبي) المتعاون؟!!
إن تحقيق هذا الإقلاع هو التحدي الذي ينتظره منهم الوعي البشري كله، وتنتظره منهم الإنسانية التي تكاد تهوي إلى القاع؛ بخضوعها للمنهاج المادي الدنيوي الصراعي؛ الذي لا مكان فيه للضمير، ولا للروح، ولا للعدل، ولا لأخوة الإنسان لأخيه الإنسان .. !!
في الحضارة المتفاعلة .. كان القضاة والمحتسبون، والدعاة، والعلماء، والمفكرون، والمهنيون، والتجار، والزراع، والأدباء، والشعراء، والفنانون، والمعلمون ... وبعض الحكام، وبعض الوزراء، وبعض الشرط وبعض الحجاب والرسميين ... كان كل هؤلاء يصنعون الحضارة ...
وكانت الحضارة تمضي بالدفعة الروحية والشرعية، ومواصلة تقدمها في مجاليها الثابتين:
-مجال حفظ الحياة: من خلال حماية النوع، والذات، والعرض، والمال، والعقل، والدين ...
-ومجال تحقيق تقدم الحياة وتطورها: من خلال نشر التعليم، ومساعدة الفكر والإبداع في المجالات المادية والمعنوية ..
وكانت شريعة الإسلام القائمة على عقيدته وأخلاقه تنساب في كل الخلايا الفاعلة في الحياة، مثلما ينساب الضمير والعقل، ومثلما ينساب الماء والدم ... فإذا ضعف تأثير الضمير قامت الحدود لتمنع الصدام بين الأجزاء الفاعلة في تيار الحياة .. (( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) ).
لم يكن مبدأ الاستيراد الاستهلاكي قد عرف بعد، وحتى وسائل المواصلات لم تكن تسمح بالاعتماد على الاستيراد في الحياة ... وكانت هذه الجريمة لم تصل - بعد إلى أن تكون ظاهرة يعرفها الجميع، ويتحدثون عنها، بل ويسكتون عنها ويستثمرونها لصالح بعض النظم الحاكمة ...
بل هي -في الحق- أكبر جريمة أن يعيش شعب مستهلكًا مستوردًا عالة على شعوب أخرى .. إن مثل هذا الشعب لا يجوز أن يسمي نفسه مستقلا، ولا أن يطالب بحقوق، ولا أن يعتبر نفسه واحدًا من ركاب قطارة الحضارة ولا صناعها، حتى لو تغنى بماضيه الزاهر وأسلافه الأمجاد!! ... فعلى امتداد ما يربو على اثني عشر قرنًا كانت شرائح الأمة الإسلامية تنصع الحضارة لتحقيق حفظ الحياة وتطور الحياة!!