ويتبيَّن ذلك من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه ظاهر لفظ الآية؛ فإنَّ الله تعالى قال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، فجعل"ما ظهر"نوعًا من زينتهنَّ، فيكون من الزينة المقصودة لهنّ، والجلباب (العباءة) ليست من الزينة وإنما هي سَتْرٌ للزينة.
الثاني: أنَّ الجلباب لا يصحُّ أن يُجْعَلَ نوعًا"من زينتهنَّ"، فإنه لو كان زينةً تلفت النظر كان الخروج به من تبرُّج الجاهلية الذي نهى الله تعالى عنه.
الثالث: أنَّ ذلك هو ما فهمه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أجَلُّ من دار عليه إسنادُ هذا الأثر وهو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبِيعي من فقهاء الكوفة وحفاظها المتقنين؛ فقد روى عنه مَعْمرٌ أنه قال بعد تفسير ابن مسعود [1] : (( ألا ترى أنه قال: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] ؟ ) ).
فجعل أبو إسحاق ثيابَ المرأة التي يعنيها ابن مسعود من جنس الثياب التي أُمِر الرجال أن يتزيَّنوا بها عند كلِّ مسجد، وليس ذلك ما يظهر بلا قصدٍ، وإنما هو ما يُتَّخَذُ ويُقْصَد أن يكونَ زينةً بنفسه.
فتبيَّنَ أنَّ ابنَ مسعودٍ - رضي الله عنه - يريد ثيابًا هي زينةٌ مقصودةٌ في نفسها، وليس ذلك ما يظهر بلا قصدٍ، وإنما هو زينة الثياب التي تسترها المرأة بالجلابيب.
وابن مسعود - رضي الله عنه - لما فسَّر قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60] قال [2] : Mالجلباب L، وفي بعض الروايات: Mالرداء L، وأسانيدهما أسانيد الصحيحين.
فابنُ مسعود يقول إنَّ القواعد من النساء يحلُّ لهنَّ أنْ يضعنَ الجلابيبَ، فتبدوا وجوههنَّ وأكفُّهنَّ وخُمُرهنَّ وثيابهنَّ من غير أن يتبرجنَ بزينةٍ لافتةٍ للنظر.
فتبيَّن بجمع كلام ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - مرادُه، وهو أنَّ الثيابَ التي هي مما ظهر من الزينة إنما هي ثيابُ الزينة التي تتزين بها النساء، فتظهر للمحارم ولا يجب إخفاؤها كما يجب إخفاء الخلاخيل وما أشبهها من الزينة التي لا يطلع عليها إلا بعل.
(1) تفسير الطبري (9/ 304) .
(2) تفسير الطبري (9/ 349 - 350) .