حال نساء العرب التي تَنَزَّل عليها القرآن
وتوثيق هذا الأمر غالبه من شعر العرب الصحيح المنقول عن أئمة الرواية العالِمين بشعر العرب وصحيح كلامها وأخبارها وأيامها، فإنَّ هذا الباب مُسَلَّمٌ إليهم، ولم أنقل عن مصدرٍ إلا وهو معتمدٌ عند أهل الفنّ، وتركت مما لم أثق بمصدره ما لو أثبتُّه لزدت أضعاف ما ذكرت.
حال نساء العرب في حجابهن وخروجهن:
اعلم أنَّ من شيم العرب التي لا تنخرم عند باديهم وحاضرهم أنهم كانوا أهل غَيْرةٍ شديدةٍ على الأعراض، وكانوا أغْيَرَ ما يكونون على الجواري العَذَارَى اللاتي لم يُزَوَّجْنَ، فكُنَّ مُحَجَّباتٍ لازماتٍ لخُدُورهنَّ ولم يكونوا يكلِّفونهنَّ من الخدمة ما يُلْجِئهنَّ إلى اعتياد الخروج غَيْرةً عليهنَّ وصيانةً لهنَّ، ولذلك كُنَّ من الحياء بمكانٍ عظيم فكانوا يضربونَ بحيائهنَّ المثل كما في الصحيحين [1] عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: Mكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها L.
ولم تكن نساءُ العرب يلزمنَ الجلابيبَ على كلِّ حال؛ فإنهنَّ كُنَّ لا يُفارقنَ الخمارَ قَطُّ، أما الجلباب فكانت تلزمُه العَذارى لشدَّة حيائهن وشدَّة غيرتهم وحرصهم على صيانتهن، فلا تبرز عذراء إلا بجلبابٍ يواريها.
قالت جَنوب بنت العجلان الهذلية الكاهلية ترثي أخاها عَمْرًا [2] :
تمشي النسورُ إليهِ وهْيَ لاهيةٌ ... مَشْيَ العَذارَى عليهنَّ الجلابيبُ
فالعذارى من شيمتهنَّ إذا برزن: المشيُ المطمئنُّ، والتَّجَلُّلُ بالجلابيب، ولا تزال العذراء كذلك حتى تُزَفَّ عروسًا بجلبابها.
ثم إذا كَهَلَت المرأةُ لم يكن مَعيبًا عندهم أن تبرز بثوبٍ ساترٍ وخمار، ونساءُ بني مَعَدٍّ ومن يخالطهم كُنَّ يسترنَ وجوههنَّ عن الرجال الأجانب ويأتي بيانه إن شاء الله.
(1) صحيح البخاري (رقم 3369) ، وصحيح مسلم (رقم 2320) .
(2) شرح أشعار الهذليين، روايةً عن الأصمعي بشرح أبي سعيد السكَّري (2/ 580) .