الصفحة 16 من 145

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعد:

فإنَّ الله تبارك وتعالى قد كتب الغلبة والعلوَّ لما جاء به رسلُه من الحجة والبيان كما قال تبارك وتعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة:21] ، ثم مضى من رحمته للعالمين أنْ جَعَلَ غلبة حجته غَلبةً مُطلَقةً لا تَتَخَلَّفُ إلى قيام الساعة، لأنها هي الوعيدُ الذي قَدَّمَ إلى عباده فقطع عُذْرهم لديه كما قال سبحانه: {قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ} ... [ق:28] .

ومن تَتِمَّةِ هذه الغَلَبة وقيام الحُجَّة أنه سبحانه لم يَزَلْ يُرِي عبادَه من آثارِ الخذلان المبين على من اتَّبعَ غيرَ سبيلِ المؤمنين ما يكونُ عبرةً للمتقين ونكالًا للظالمين وتاريخًا يُرْوَى في الغابرين.

والله تعالى لم يُفَصِّل في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - حجةً لحكمٍ شرعيٍّ إلا بعد أن أحكمها إحكامًا يعصم من كلِّ شبهة كما قال سبحانه: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:1] ، فالآيات هي الحجج البينات الظاهرة التي تكون دليلًا على الحقِّ يهتدي بها المستدلُّون.

وقال سبحانه في صفة ضلال الضالين عما أحكم من الحجج البينات: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران:7] .

فأمُّ الكتاب هي أصول القرآن والسنة العِلْمية المحكمة، والمتشابهات هي بعض التفاصيل التي تندرج في تلك الأُمَّهات المحكمة، فيكون منها مسائلُ تتشابه صورتُها على من قَصُر علمُه، فجَعَلَ العِصْمةَ في إرجاع كُلِّ مسألةٍ من التفاصيل إلى أُمِّها المحكمة، وجَعَلَ أخذَ المتشابه منفصلًا عن المحكم دليل زيغ القلوب.

وهذا يكشف لمن وفَّقه الله تعالى حقيقةَ العلم الشرعي أنه العِلْمُ بأمِّ الكتاب، أي بأصولِ الوحي العلمية المبيَّنة بيانًا محكمًا في الكتاب والسنة، وفهمُها وفهمُ دلائلها وطرق تقريرها فهمًا لا تزعزعه الشبهات، ثم اتِّباعُ سبيلِ المؤمنين الراسخين في العلم في إلحاق ما تشابه من التفاصيل بالأُمَّهات المحكمة.

وبمعرفة سبيل الراسخين في العلم تستبينُ سبيلُ المخالفين الجاهلين؛ فإنهم إذا تشابه عليهم دِلالةٌ من الدِّلالات ووافق ذلك هوىً يهوونه عادوا بها على أُمِّها المحكمة فنقضوها، ثم اتبعوا المتشابه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت