فجعلوه أصلًا كما أخبر الله تعالى عنهم.
وهذا أساسٌ كبيرٌ من أُسُس الضَّلالة اشترك فيه عامةُ الفرق المخالفة لسبيل السنة والجماعة، ثم تنوَّعت في سلوكه مناهجُهم كلٌّ حَسْب هواه، وكلُّهم لا يبتغي إلا"الفتنة"، وهي صَدُّ الناس عن السنة وتفريق أمر الجماعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [1] : (( أهلُ الضلال من النصارى وأهلِ البدع كالخوارج والرافضة والجهمية والقدرية يتَّبعون ما تشابه عليهم معناه ويَدَعُون المحكمَ المنصوصَ الذي بيَّنه الله لهم ) ).
وهذا الكتاب فيه مثالٌ لمخالفة السبيلِ العلميِّةِ السنيِّة الجماعيِّة، فإنه قد كتب أحمدُ بن قاسم الغامديّ مقالاتٍ يقرِّر بها حِلَّ ما حرَّم الله ورسوله من دخول الرجال على النساء في أماكن لبثهنَّ، ومخالطتهنَّ في حال خروجهنَّ، فلما نظرت فيما كتب لم أره جاء بشيءٍ يمكن أنْ يُعَدَّ خطأً علميًا، فإنَّ أهل العلم يخطؤون لأنهم بشرٌ من البشر؛ لكن لا يبلغ خطؤهم أن يكونَ نبذًا لكتاب الله وراء ظهورهم وتحريفًا للكلم عن مواضعه وركوبًا لمنهجٍ منحرفٍ عن السنة والجماعة.
فكان لا بدَّ للمُتَبصِّر أنْ ينظر في أصل الخلل في المنهج الذي سلكه أحمد بن قاسم حتى أولجه تلك الموالج، فوجدته فيما كتب قد حَشَدَ حَشْدَه ليتوصَّل إلى استحلال الحرام بخطوتين كبيرتين:
فالأول: تسمية الحرام بغير اسمه الذي سمَّاه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أنه جمع أنواعًا من المحرَّمات فسمَّاها كلَّها باسمٍ واحد هو"الاختلاط"، ثم نازع في دلالةِ الشريعة على تحريم هذا الاسم، وهذا هو منهج الاحتيال على الشريعة الذي ذكره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وذمَّ أهله.
والثاني: الاستدلال على حِلِّ"الاختلاط"، بانتزاع دلالاتٍ من النصوص سَلَك فيها سبيلًا خارجةً عن سبيل السنة والجماعة، وإنما هي من اتِّباع المتشابه الذي حَذَّرنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أهلَه، فأفضى به ذلك السبيل إلى مَتالفَ من أعظمها الكلامُ في عرض النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بما هو أَذَىً له بإجماع المسلمين، بل بإجماع عقلاء البشر.
فجمع أحمد بن قاسمٍ أصلين من أعظم أصول الفساد العلمي؛ فالأُولى هي طريقةُ المستحلِّين للحرام بالحِيَل الذين توَعَّدهم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بالمسخ قردةً وخنازير، والثانية هي سبيل الخوارج في
(1) الإخنائية (ص 392) .