الاستدلال التي حذَّرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمته.
ثم لم نَجِدْ أحمد بن قاسم وَحْدَه على كلتا الطريقتين بل وجدنا له أصحابًا على منهجه هذا سبقوه إليهما، وسنذكر كلامًا لأحدهم عند ذكر كلامه.
ومن الأمثلة الشاهدة التي بيَّنَتْ أنَّ الرجلَ ماضٍ على سبيل المخالفة للسنّة والجماعة؛ ما قال ونشر في الصحافة من أنَّ صلاة الجماعة غيرُ واجبة على الآحاد، ثم بَنَى على ذلك أنه لا يُلْزَمُ الناسُ بإغلاق أسواقهم لصلاة الجماعة.
فإنه قد اختلطت عليه الأمور فلم يفرِّق بين شعيرة صلاة الجماعة التي أجمع أهلُ العلم على أنها من شعائر الدين الظاهرة التي يجب على الإمام حفظُها من الانتهاك، وعلى مقاتلة أهل البلد الذي تُنْتَهك فيه كغيرها من شعائر الدين الظاهرة كالتوحيد والأذان والجمعة والزكاة والصيام وغيرها؛ لم يميِّز بين ذلك وبين وجوب صلاة الجماعة على الآحاد من الناس!
فجَعَلَ القولَ الضعيف بأنها غيرُ واجبةٍ على المعيَّن دليلًا على حِلِّ انتهاك هذه الشعيرة في بلاد الإسلام عَلانيةً، ثم دعا إلى أنْ لا يكون لهذه الشعيرة حُرْمةٌ، وأنْ لا يكونَ للنداء الذي يُرْفَعُ بها معنى، فيُنادَى للصلاة في مساجد المسلمين ويُقال للناس كونوا في شؤونكم وصلُّوا آحادًا أو شراذمَ وعَطِّلوا مساجدَ الله إنْ شئتم فالنداء شِعَارٌ شكليٌّ ليس في الشريعة ما يصونه من الانتهاك، ولا فرقَ بين وقت صلاة الجماعة وبين غيره!
ومَثَلُه فيما قال كمَثَلِ مَنْ يقول: لا بأسَ أن تُفْتَح أبوابُ المطاعم في نهار رمضان ويأكل فيها الناسُ المعذورون عَلانية لأنَّ مِن الناس مَنْ يَحِلُّ له الفِطْرُ، فلا بأسَ إذًا أنْ تُنْتَهَك حُرْمةُ شهرِ الصوم علانية في بلاد الإسلام، وأن يُبْطَلَ ظُهورُ هذه الشعيرة حتى لا يكونَ فَرْقٌ بين نهار الصوم وبين نهار العيد.
قال شيخ الإسلام رحمه الله [1] : (( أفتيت ولاة الأمور في شهر رمضان سنة أربع [أي وسبعمائة] بقتل من أُمْسك في سوق المسلمين وهو سكران وقد شرب الخمر مع بعض أهل الذمة وهو مجتاز بشقة لحم يذهب بها إلى نُدَمائه، وكنت أفتيتهم قبل هذا بأنه يعاقب عقوبتين؛ عقوبةً على الشرب، وعقوبةً على الفطر، فقالوا: ما مقدار التعزير، فقلت هذا يختلف باختلاف الذنب وحال المذنب وحال الناس وتوقفتُ عن القتل، فكَبُرَ هذا على الأمراء والناس حتى
(1) الفتاوى الكبرى (5/ 532) ، والمستدرك على الفتاوى (5/ 116) .